فهرس الكتاب

الصفحة 120 من 144

كل شيء وراءه ليفر بدينه في أول تجربة من نوعها لهو أجدر بالاحترام والتقدير، ويكفيهم شرفًا أنهم أول من سيفتتح فريضة الهجرة في التاريخ الإسلامي.

وهذه هي سنة الله في خلقه، يظل الكثير ممن يصنعون التاريخ ويؤثِّرون في مجرياته في طي الكتمان ولا تُسلط عليهم الأضواء كما تُسلط على الكثير من التافهين والمنحرفين، ولكن الله يعلم هؤلاء ويحصي أعمالهم ويكتبها عنده، كما يبارك في جهود هؤلاء الأخفياء ويجعلهم جسورًا تمر عليهم قوافل الدعوة حتى قيام الساعة.

وصفت أم المؤمنين أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم هذا الحدث فقالت: (لما ضاقت علينا مكة، و أوذي أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفتنوا، ورأوا ما يصيبهم من البلاء، والفتنة في دينهم، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يستطيع دفع ذلك عنهم، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم في منعة من قومه وعمه، لا يصل إليه شيء مما يكره مما ينال أصحابه، فقال لهم رسول الله عليه وسلم إن بأرض الحبشة ملكًا لا يظلم عنده أحد، فالحقوا ببلاده حتى يجعل الله لكم فرجًا ومخرجًا مما أنتم فيه، فخرجنا إليها أرسالًا - أي جماعات - حتى اجتمعنا بها، فنزلنا بخير دار إلى خير جار، أمِنَّا على ديننا ولم نخش منه ظلمًا) .

وهكذا هاجر أول فوج من الصحابة إلى الحبشة في السنة الخامسة للبعثة، وكان هذا الفوج مكونًا من اثني عشر رجلًا و أربع نسوة، كان في مقدمتهم عثمان بن عفان رضي الله عنه، ومعه زوجته رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان رحيلهم تسللًا تحت جنح الظلام حتى لا تشعر بهم قريش، فخرجوا إلى البحر عن طريق جدة، فوجدوا سفينتين تجاريتين أبحرتا بهم إلى الحبشة، ولما علمت قريش بخبرهم خرجت في إثرهم وما وصلت إلى الشاطئ إلا وكانوا قد غادروه في طريقهم إلى الحبشة، حيث وجدوا الأمن والأمان، ولقوا الحفاوة والإكرام من ملكها النجاشي الذي كان لا يظلم عنده أحد، كما أخبر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم.

فكفار قريش لم يألوا جهدًا في التصدي لهذه الهجرة رغم قلة عدد المهاجرين، فالطغاة على مر التاريخ لا يريدون للمؤمنين أن يتميزوا بعقيدتهم ولا أن يمارسوها بمعزل عنهم وتكون لهم حرية الاعتقاد والممارسة، بل إنهم يحرصون كل الحرص على قمع هذه العقيدة ووأدها في مهدها، وتكبيل المؤمنين وحصارهم حتى لا تنتشر هذه العقيدة في الآفاق فتكون وبالًا على دين الطغاة ودنياهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت