الأخرى، حتى تحاوزوا وتحالفوا، وأعدوا للقتال فقربت بنو عبد الدار جفنة مملوءة دما، ثم تعاقدوا هم وبنو عدي بن كعب بن لؤي على الموت، وأدخلوا أيديهم في ذلك الدم في تلك الجفنة فسموا لعقة الدم. فمكثت قريش على ذلك أربع ليال أو خمسا، ثم إنهم اجتمعوا في المسجد وتشاوروا وتناصفوا.
فزعم بعض أهل الرواية أ ن أبا أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، وكان عائذ أسن قريش كلها ; قال يا معشر قريش، اجعلوا بينكم فيما تختلفون فيه أول من يدخل من باب هذا المسجد يقضي بينكم فيه ففعلوا. فكان أول داخل عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما رأوه قالوا: هذا الأمين رضينا، هذا محمد ; فلما انتهى إليهم وأخبروه الخبر قال صلى الله عليه وسلم هلم إلي ثوبا، فأتي به فأخذ الركن فوضعه فيه بيده. ثم قال لتأخذ كل قبيلة بناحية من الثوب ثم ارفعوه جميعا، ففعلوا: حتى إذا بلغوا به موضعه وضعه هو بيده ثم بنى عليه. [سيرة بن هشام] .
وهذا دليل آخر يبين أن شخص رسول الله كان محل احترام وتقدير في مجتمعه، وكذلك ينبغي أن يكون كل داعية قبل الانطلاق بدعوته بين الناس. كما يبين أن الداعية عنصر إصلاح، ومصدر إلهام في مجتمعه، يلجأ إليه الناس للمشورة وتقديم الحلول المناسبة للمعضلات المطروحة في الساحة.
فالداعية يتميز عن غيره بالعطاء والتضحية، والسهر على راحة الآخرين وتقديم يد العون المناسب في الوقت المناسب. ولا ينتظر جزاء من أحد بل إن عمل الخير والسعي للإصلاح سمة ذاتية مصاحبة له أينما حل وارتحل، فتراه يجد سعادة كبرى في إنجاز ما يقوم به من عمل الخير والإصلاح بين الناس وهدايتهم.
في السنوات الأخيرة قبل نزول الوحي، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخصص فترة من السنة للخلوة في غار حراء، من أجل التعبد والتفكر في ملكوت الله، وكان هذا اهتمام بالجانب الروحي وإعداد رباني له لأداء المهمة الثقيلة التي ستأتي بعد حين.