هذه هي أهم المحطات الخالدة لمسيرة الدعوة من لدن نوح عليه السلام وإلى آخر الرسل سيدنا محمد عليه أفضل الصلاة والسلام.
يتميز الانتماء إلى الإسلام بنقلة نوعية فريدة يقوم بها المسلم بين ماضيه الجاهلي وحاضره الإسلامي، فيغير ولاءه للعائلة والعشيرة إلى ولائه للتجمع الإيماني الذي صار حُضنًا وحِصنًا منيعًا يتلقى فيه تعاليم الدين الجديد ويرضع منه المبادئ والقيم التي ستقوم عليها حياته الجديدة. فيترك المؤمن كل القيم والارتباطات التي تحاول تكبيله عن أداء واجباته اتجاه ربه، ويضحي بكل شيء من أجل الوفاء بعهده مع الله.
تميزت هذه الفترة الممتدة من بدء الوحي إلى الإذن بالجهر بالدعوة بما يمكن أن نسميه ب"السرية في الدعوة والسرية في التنظيم".
فقد رأينا أن الدعوة كانت تتم بسرية تامة وعبر انتقاء الأعضاء المدعوين بطريقة سرية قائمة على عنصر الثقة بين الداعي والمدعو، وانتشار هذه الدعوة كانت تتم هي الأخرى بطريقة سرية للغاية بحيث لا ينبغي إثارة انتباه المجتمع القرشي إليها إلى حين الإذن الرباني بإعلان الدعوة على الملأ.
وكان المسلمون يجتمعون برسول الله صلى الله عليه وسلم في دار الأرقم بن أبي الأرقم [وهو فتى لا يزال] من أجل تلقي تعاليم الإسلام ومبادئه الأساسية وترسيخ أمور العقيدة التي ستكون الأساس للبناء الإسلامي العظيم. وأيضًا لتكوين القاعدة الصلبة والكوادر الأساسية لدولة الإسلام المرتقبة، تلك القاعدة التي سيفتح الله على أيديها قلوب العباد وسيفتحون البلدان ويحررون العالمين من قيود الجاهلية وظلماتها إلى عدل الإسلام وأنواره.