في رمضان من السنة الخامسة من البعثة النبوية، حدث أن خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الكعبة للطواف والصلاة وقد صادف ذلك تواجد جمع كبير من مشركي قريش وفيهم بعض كبرائها وساداتها فقام فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وتلا عليهم سورة النجم، فانبهر القوم وشدَّهم وقع الآيات البينات وكأن على رؤوسهم الطير، فلما ختم رسول الله صلى الله عليه وسلم تلاوة السورة بآية السجدة {فاسجدوا لله واعبدوا} ، سجد عليه الصلاة والسلام فسجد كل من كان حوله معه دون أن يشعروا، فلما أفاقوا ورجعوا إلى أنفسهم ندموا وتعجبوا كيف تم ذلك، فتوالى عليهم العتاب والحساب من قبل من لم يحضر ذلك الموقف خاصة من كبراء قريش، ولكي يخرجوا من ورطتهم هذه كذبوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وادعوا أن محمدًا قد مدح آلهتهم في وسط ما تلاه من قرآن، وذلك قولهم:"وتلك العرانيق العلا، وإن شفاعتهن لترتجى".
وهذه فرية وبهتان آخر يضاف إلى أكاذيبهم وافتراءاتهم على هذا الدين العظيم وعلى رسوله الكريم، وقد عمت هذه الإشاعة في مكة ومحيطها حتى صدقها الناس ووصلت إلى أسماع المهاجرين في الحبشة محرفة ومبالغ فيها، مفادها أن مشركي قريش قد أسلموا جميعًا، فاجتهدوا فيما بينهم وقرروا العودة إلى مكة معتقدين أن العداوة القائمة بينهم وبين المشركين قد زالت وأنه لم يعد هناك حاجة للهجرة وترك الديار ما دام أن قومهم قد آمنوا كلهم أجمعين. ولكن سرعان ما تبين زيف هذه المسألة ولمجرد وصول المهاجرين إلى مداخل مكة علموا أن الخبر مجرد كذب وافتراء، فعاد منهم من عاد إلى الحبشة ودخل بعضهم إلى مكة مستخفيًا أو في جوار أحد من قريش.
استمر إيذاء المشركين للمؤمنين خاصة بعد محاولة الهجرة الأولى إلى الحبشة، فدفع هذا المسلمين إلى معاودة محاولة الهجرة للمرة الثانية ولكن هذه المرة على نطاق أوسع وأشمل، حيث بلغ عدد المرشحين حوالي ثلاث وثمانون رجلًا وثماني عشر امرأة من مختلف القبائل، خرجوا على شكل جماعات صغيرة ومتفرقة نحو الشاطئ وأفلتوا من قبضة ومتابعة قريش لهم، خاصة أن هذه الأخيرة كانت على علم مسبق برغبتهم في الهجرة وقد حاولت منعهم من ذلك لكن الله تعالى أراد غير ذلك، فالتحق المسلمون بأرض الحبشة حيث وجدوا الأمن والأمان كما وجده المهاجرون الأوائل من قبلهم.
مثلت هذه الهجرة ضربة موجعة لكفار قريش، فقد نقل المسلمون قضيتهم إلى بلاد مجاورة لجزيرة العرب لها أهميتها الجغرافية والسياسية ولها أيضًا علاقات اقتصادية هامة مع قريش، بإمكان هذه النقلة أن تؤثر سلبًا على هذه العلاقات وتكشف الوجه القبيح لقريش أمام الرأي العام الداخلي للحبشة وأمام السلطة الحاكمة هناك وعلى رأسها ملكها العادل"النجاشي".