بعد فترة الدعوة السرية التي سمحت للدعوة أن توسع فيها قاعدتها وتبني فيها أسسها بعيدًا عن أعين كفار قريش، ولحكمة يعلمها العليم الخبير، حان الوقت لتبدأ الدعوة مرحلة جديدة تتسم بالإعلان عن نفسها ولكن في شخص رسول الله صلى الله عليه وسلم فقط، بينما يواصل بقية المسلمين كتمانهم لإيمانهم ومواصلة ممارسة الدعوة في السر إلى أن يأذن الله غير ذلك.
أنزل الله تعالى قوله {وَأَنْذِرْ عَشِيَرتَكَ الْأَقْرَبِينْ} [الشعراء -214] لتكون الأمر المباشر للجهر بالدعوة، ومن الطبيعي والموافق للفطرة البشرية أن يبدأ الأمر بعرض الدعوة على الأقربين قبل الأبعدين.
"دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عشيرته بني هاشم بعد نزول هذه الآية، فجاءوا ومعهم نفر من بني المطلب بن عبد مناف، فكانوا نحو خمسة وأربعين رجلًا. فلما أراد أن يتكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم بادره أبو لهب وقال: هؤلاء عمومتك وبنو عمك فتكلم، ودع الصباة، واعلم أنه ليس لقومك بالعرب قاطبة طاقة، وأنا أحق من أخذك، فحسبك بنو أبيك، وإن أقمت على ما أنت عليه فهو أيسر عليهم من أن يثب بك بطون قريش، وتمدهم العرب، فما رأيت أحدًا جاء على بني أبيه بشر مما جئت به، فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يتكلم في ذلك المجلس". [الرحيق المختوم - للمباركفوري] .
أود أن أسجل وقفة في هذا المقام، حيث أن نجاح الدعوة تحتاج إلى دعائم عديدة منها الجو العام أو المحيط الذي يتحرك فيه الداعية، فلا بد من توفير كل الشروط والدعائم لإنجاح عملية الدعوة، وفي حال غياب شرط أو عنصر من هذه العناصر فإنه من الصعب تحقيق نجاح أو تقدم في ميدان الدعوة، لهذا ينبغي على الدعاة أن يختاروا الوقت والمكان المناسبين لممارسة دعوتهم مع الناس، وتكون لديهم ملكة وحدس الإقدام أو الإحجام في الوقت المناسب.
فقد تجتمع عناصر ايجابية كثيرة يظن الداعية أنها قادرة على خلق النجاح ولكنه قد يغفل عن عنصر سلبي واحد قد يكون سببًا في نسف كل تلك العناصر الإيجابية وبالتالي قد يصاب الداعية بالإحباط كما أن الدعوة تصبح رخيصة ويزهد فيها الناس.
فلابد من تحين فرص النجاح ومحاولة خلقها وتفادي كل عوامل الفشل والتثبيط التي من شأنها أن تضعف الداعية والدعوة على حد سواء.
وعنصر التريث والتأني من أهم عناصر النجاح فينبغي أن يروض الداعية نفسه على الصبر ويمتلك طول النفس حتى لا يستعجل قطف ثمار دعوته قبل أوانها فيعاود الكَرََّة تلو الكَرَّة إلى أن يحين الوقت المناسب كما أراد الله عز وجل، وليس كما نريد نحن، فكل شيء بقدر ولكل أجل كتاب.