فالعلم والمال وجهان لعملة واحدة، فكلاهما رزق، ونعم المال الصالح للرجل الصالح، فالعلم بدون مال يكون ناقصًا، وكذلك مال بدون علم من شأنه أن يقود صاحبه إلى التبذير وسوء التصرف، وربما إلى المعاصي وإلى الكفر والعياذ بالله.
هنا أيضًا تجلت رحمة الله تعالى بهذين الغلامين، وحفظ لهما رزقهما كما حفظه من قبل لأصحاب السفينة وللأبوين المؤمنين الصالحين، فالرزق قد يكون مالًا حلالًا وقد يكون علمًا نافعًا وقد يكون ذرية صالحة، وفي كل الأحوال فهو محفوظ من قبل الله عز وجل ومضمون حينما يتوفر شرط الصلاح.
تمامًا كما يسّر الله لرسوله الكريم من يعوله ويتكلف بشؤونه، حيث سخر له في بداية الأمر جده عبد المطلب ثم عمه أبو طالب من بعد وفاة جده، (أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى * وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى * وَوَجَدَكَ عَائِلا فَأَغْنَى) [الضحى:6 - 8] ، فالله على كل شيء قدير ولا يمكن أن يضيع خلقه أبدًا.
ظل في كنف جده يعتني به ويتخذه في مقام ابنه العزيز عبد الله المفقود، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يكاد يفارق جده ويصحبه معه حتى في مجالسه الخاصة التي كان يعقدها مع كبراء القوم في دار الندوة، وهذه خاصية لم تُعط لأقرانه من الصبية.
وتذكرنا هذه المكانة بالتي كانت لسيدنا يوسف لدى أبيه سيدنا يعقوب عليهما السلام، مكانة متميزة تليق بخاتم النبيين وسيد المرسلين حتى وهو في سن مبكرة، فالله تعالى يحيط رسله وأنبياءه بعناية خاصة تمهيدًا لتحميلهم مهمة الرسالة، وفترة الطفولة من أهم المراحل التي تطبع حياة المرء وتظل راسخة في عقله وبإمكانها أن تؤثر على بقية عمره سلبًا أو إيجابًا.
تعتبر هذه السن المبكرة من عمر الطفل بالغة الأهمية من أجل التلقين والتأثر بالبيئة التي تحيط به، لذلك وجب الاعتناء بأطفالنا في هذه المرحلة الحساسة جدًا، ولا ينبغي القول بأن الطفل ما زال صغيرًا