المستقبل المجهول لكنه مضمون ومأمون من رب العالمين في قوله تعالى (وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا) ... وقوله عز من قائل (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ الله ِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ) .
يقول الشهيد - نحسبه كذلك - سيد قطب رحمه الله معلقًا على هذه الآية وعلى مكبلات الهجرة وقيودها للنفوس كلامًا نفيسًا يُكتب بماء الذهب:"فلا يقعد بكم حب الأرض , وإلف المكان , وأواصر النسب والقربى والصحبة في دار عن الهجرة منها , إذا ضاقت بكم في دينكم , وأعجزكم فيها الإحسان. فإن الالتصاق بالأرض في هذه الحالة مدخل من مداخل الشيطان ; ولون من اتخاذ الأنداد لله في قلب الإنسان."
وهي لفتة قرآنية لطيفة إلى مداخل الشرك الخفية في القلب البشري , في معرض الحديث عن توحيد الله وتقواه , تنبىء عن مصدر هذا القرآن. فما يعالج القلب البشري هذا العلاج إلا خالقه البصير به , العليم بخفاياه.
والله خالق الناس يعلم أن الهجرة من الأرض عسيرة على النفس , وأن التجرد من تلك الوشائج أمر شاق , وأن ترك مألوف الحياة ووسائل الرزق واستقبال الحياة في أرض جديدة تكليف صعب على بني الإنسان: ومن ثم يشير في هذا الموضع إلى الصبر وجزائه المطلق عند الله بلا حساب: {إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب} .
فيأخذ قلوبهم بهذه اللمسة في موضعها المناسب , ويعالج ما يشق على تلك القلوب الضعيفة العلاج الشافي , وينسم عليها في موقف الشدة نسمة القرب والرحمة. ويفتح لها أبواب العوض عن الوطن والأرض والأهل والإلف عطاء من عنده بغير حساب. . فسبحان العليم بهذه القلوب, الخبير بمداخلها ومساربها, المطلع فيها على خفي الدبيب.
سيكون لنا عودة وتفصيل لموضوع الهجرة في بابه بحول الله حينما نتطرق إلى الهجرة إلى المدينة.
فالهجرة إلى الحبشة تمت على مرحلتين مختلفتين، وإن كان الكثير منا لا يعطي أهمية للأولى بينما يركز فقط على الثانية، رغم أن الهجرة الأولى إلى الحبشة لها أهميتها وقيمتها التاريخية والإيمانية مثل ما للثانية بل أراها أكثر أهمية وقيمة من الثانية، ذلك أن المبادرة الأولى تكون أقسى على النفس، وهذا الرهط الذي انتصر على مثبطات النفوس واستطاع أن يترك