الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خاتم النبيين وسيد المرسلين محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد
تتمة لوقفاتنا التربوية على سيرة خير البرية، في فترة ما قبل النبوة، نواصل الحديث عن أهم الأحداث التي عاشها سيد البشرية والتي نرى لها أثرًا في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، والتي بإمكاننا أن نقتبس منها بعض النور لينير لنا الطريق إلى الله، ونزداد إيمانًا ويقينًا بصحة هذا الدين وبعصمة صاحبه عليه أفضل الصلاة والسلام.
نقف في هذا الدرس على آخر الأحداث قبل بدء الوحي، والدخول في أحداث السيرة الحقيقية التي سنجد فيها زخمًا هائلًا من الدروس والعبر والمواقف التربوية بحول الله.
يتعلق الأمر تباعًا وعلى حسب الترتيب الزمني: لقاء النبي مع بحيرى الراهب - حرب الفجار - حلف الفضول - الاشتغال بالتجارة - زواجه بخديجة رضي الله عنها- إعادة بناء الكعبة - التعبد والخلوة في غار حراء.
قال ابن إسحاق: ثم إن أبا طالب خرج في ركب تاجرا إلى الشام، فلما تهيأ للرحيل وأجمع المسير صب به رسول الله صلى الله عليه وسلم - فيما يزعمون - فرق له وقال والله لأخرجن به معي، ولا يفارقني، ولا أفارقه أبدا، أو كما قال. فخرج به معه فلما نزل الركب بصرى من أرض الشام، وبها راهب يقال له بحيرى في صومعة له وكان إليه علم أهل النصرانية، ولم يزل في تلك الصومعة منذ قط راهب إليه يصير علمهم عن كتاب فيها - فيما يزعمون يتوارثونه كابرا عن كابر. فلما نزلوا ذلك العام ببحيرى، وكانوا كثيرا ما يمرون به قبل ذلك، فلا يكلمهم ولا يعرض لهم حتى كان ذلك العام. فلما نزلوا به قريبا من صومعته صنع لهم طعاما كثيرا، وذلك - فيما يزعمون - عن شيء رآه وهو في صومعته يزعمون أنه رأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو في صومعته في الركب حين أقبلوا، وغمامة تظله من بين القوم. قال ثم أقبلوا فنزلوا في ظل شجرة قريبا منه فنظر إلى الغمامة حين أظلت الشجرة، وتهصرت أغصان الشجرة على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى استظل تحتها، فلما رأى ذلك بحيرى نزل من صومعته وقد أمر بذلك