ولكن رأى النجاشي أنه لا بد من تمحيص القضية، وسماع أطرافها جميعًا. وهذه من سمات الحاكم العادل، لابد من الاستماع إلى أطراف القضية جميعًا ليتمكن من إصدار الحكم العادل، فأرسل إلى المسلمين، ودعاهم، فحضروا، وكانوا قد أجمعوا على الصدق كائنًا ما كان.
غلمان سفهاء:
وقد ورد هذا كثيرًا في كتاب الله عز وجل وبعبارات مختلفة وبنفس المعنى {فقال الملأ الذين كفروا من قومه ما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي} و {وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن الناس، قالوا أنؤمن كما آمن السفهاء} ، و {إن هؤلاء لشرذمة قليلون وإنهم لنا لغائظون} ، وهو تنقيص من قيمة المؤمنين وتصويرهم في أحط صورة لينفر منهم الناس، كما يحاولون أيضًا التأثير على صاحب الدعوة نفسه لكي يشك في دعوته ويحس بضعف السند فيفتر في دعوته.
فارقوا دين قومهم:
وهو الوتر الحساس الثاني الذي يلعب عليه أعداء الحق، مفارقة دين الآباء والأجداد والقوم والعشيرة، وهم يقصدون أساسًا عاداتهم الجاهلية وكفرياتهم وأهواءهم، هذا ما يسمونه دينًا، بينما تجدهم هم لا يلتزمون ببند واحد من بنود هذا الدين إن وُجد.
همهم فقط هو إشباع شهواتهم وتلبية حاجياتهم الشخصية ولا يريدون من يعكر عليهم صفو أجوائهم هذه، فيسارعون ساعة الخطر والتهديد إلى التحدث باسم الدين واحترامه بل وحتى الدفاع عنه وهم من يخالفونه صباح مساء ولا يمنحونه أدنى قيمة، فصار اليوم - بعد أن ظهر دين الحق - عزيزًا ومصونًا ويستحق كل هذا الاهتمام.
ولم يدخلوا في دينك:
وهي محاولة استفزاز النجاشي وتأليبه على المهاجرين، فهم فوق مفارقتهم لدين قومهم خالفوا حتى دينك، وكأن دين الملك صار محببًا لديهم ومقبولًا، لأن المطلوب من المطرود والهارب إلى أرض معينة - لكي يكسب عطف مضيفه ومجيره - أن يدخل في دين هذا الأخير اتقاءً لشره وضمانًا لحمايته، ولكن أعداءنا لا يفهمون أن الهجرة أصلًا في الإسلام إنما تكون بسبب الحفاظ على هذا الدين وليس رغبة في دنيا أو متاع زائل.