فإن الله تعالى خلق الإنسان لحكمة بالغة لا يجهلها إلا غافل أو ضال، فقال عز من قائل {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات 56] ، ومن أجل بيان كيفية هذه العبادة أرسل رسلًا تترًا، مهمتهم ترشيد العباد وهدايتهم إلى صراط الله المستقيم، وكلما مات نبي أو رسول أرسل الله تعالى من يتمم المهمة ويواصل الرحلة، حتى لا يكون عند الناس حجة على الله بعدم التبليغ.
كانت رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم جامعة شاملة وشافية، حيث نسخت كل الشرائع الأخرى التي سبقت، وأصبحت رسالته هي المقبولة والخاتمة، ومن يبتغي غيرها فهو من الخاسرين {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [آل عمران 85] ، وبناء على ما تقدم فإن على أبناء الأمة الإسلامية أن يُقدِّروا هذا المقام العظيم لهذه الرسالة ولصاحبها عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم، ومن ثم التمسك بها ونشرها تكملة لمهمة النبي صلى الله عليه وسلم وامتثالًا لأمر الله تعالى بالتبليغ والدعوة {كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله} ، وقوله عز وجل {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [النحل 125] .
فرسالة الإسلام لم تمت بموت صاحبها الأول عليه أفضل الصلاة ولن تموت {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ} [آل عمران 144] ، قد تموت في قلب رجال آثروا الحياة الدنيا على الآخرة، وحادوا عن نهج الرسول صلى الله عليه وسلم، ولكنها رسالة حية وأبدية، قد تكفل الله بحفظها، حينما حفظ كتابه {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر 9] ، وحفظ سنة رسوله الكريم بحفظ أنصاره وتثبيتهم على النهج القويم، واستقامتهم على الأمر كما استقام نبينا الكريم وصحبه الكرام حتى لقوا الله تعالى وهو عنهم راض، وذلك بدليل قوله صلى الله عليه وسلم:"لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي قَائِمَةً بِأَمْرِ اللَّهِ ... لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ أَوْ خَالَفَهُمْ حَتَّى يَاتِيَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ ظَاهِرُونَ ... عَلَى النَّاسِ". [صحيح مسلم] .