متن ، ص: 51
فلننظر كيف يوضح ابن قتيبة مجاز آية من القرآن ، وكيف يتناول الشريف الرضى هذه الآية بعينها وكيف يكشف عن المجاز فيها.
يقول ابن قتيبة في مجاز قوله تعالى: سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلانِ وهى من سورة الرحمن: [و اللّه تبارك وتعالى لا يشغله شأن عن شأن. ومجازه: سنقصد لكم بعد طول الترك والإمهال. وقال قتادة: قد دنا من اللّه فراغ لخلقه ، يريد أن الساعة قد أزفت وجاء أشراطها] «1» .
ويقول الشريف الرضى في مجاز هذه الآية:[و هذه استعارة. وقد كان والدي الطاهر الأوحد ذو المناقب أبو أحمد الحسين بن موسى الموسوي - رضى اللّه عنه وأرضاه - سألنى عن هذه الآية في عرض كلام جرّ ذكرها ، فأجبته في الحال بأعرف الأجوبة المقولة فيها ، وهو أن يكون المراد بذلك: سنعمد لعقابكم ، ونأخذ في جزائكم على مساوئ أعمالكم ، وأنشدته بيت جرير كاشفا عن حقيقة هذا المعنى ، وهو قوله:
ألان وقد فرغت إلى نمير فهذا حين صرت لها عذابا ؟
فقال: فرغت إلى نمير ، كما يقول: عمدت إليها ، فأعلمنا أن معنى فرغت هاهنا معنى عمدت ، وقصدت. ولو كان يريد الفراغ من الشغل لقال: فرغت لها ولم يقل فرغت إليها.
وقال بعضهم: إنما قال سبحانه: سنفرغ لكم ، ولم يقل: سنعمد. لأنه أراد: أي سنفعل فعل من يتفرغ للعمل من غير تمجيع «2» فيه ، ولا اشتغال بغيره عنه ، ولأنه لما كان الذي يعمد إلى الشيء ربما قصر فيه لشغله معه بغيره ، وكان الفارغ له - في الغالب - هو المتوفر
(1) تأويل مشكل القرآن لابن قتيبة ص 77. []
(2) التمجيع في العمل: هو عدم أخذه مأخذ الجد.