فهرس الكتاب

الصفحة 141 من 450

متن ، ص: 53

فى نشأة البيان. والشريف الرضى في القرن الرابع الهجري يرخى الطّول لحبل البيان ، ويمزج في ذلك بين التطور البلاغى الذي صار إليه الأمر في عصره ، وبين ذوقه الأدبى الخاص الذي انحدر إليه من ميراث آبائه الكرام ، والذي صار إليه من طبيعته الأدبية الشعرية الخاصة. فإذا بلغنا القرن الخامس رأينا الإمام عبد القاهر الجرجاني المتوفى سنة 471 ه والذي جمع في البلاغة بين العلم والعمل ، فكان بجانب نظرياته وقوانينه البلاغية التي وضعها ، أديبا عمليا بليغا يختلف عن المتأخرين بعده من البلاغيين الذي سلكوا بالبيان العربي مسلك العلوم النظرية الجافة ، فأحالوا البلاغة العربية إلى ألغاز وأحاج ومعميات ، بعد أن كانت عند رجل - كالشريف الرضى - تطبيقا عمليا رائعا للبيان العربي الناصع المشرق الملامح ، الواضح القسمات.

ولن ننسى هنا موازنة ثانية بين ابن قتيبة والشريف الرضى في بيان المجاز في قوله تعالى في سورة ق: يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ ، وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ قال ابن قتيبة:

[و ليس يومئذ قول منه لجهنم ، ولا قول من جهنم. وإنما هى عبارة عن سعتها «1» ] ولم يزد ابن قتيبة على هذا كلمة واحدة ، مع أنه ساق هذه الآية في باب المجاز المغاير للحقيقة. أما الشريف الرضى فإنه قال في هذه الآية: [و هذه استعارة. لأن الخطاب للنار والجواب منها في الحقيقة لا يصحان. وإنما المراد - واللّه أعلم - أنها فيما ظهر من امتلائها ، وبان من اغتصاصها بأهلها ، بمنزلة الناطقة بأنه لا مزيد فيها ، ولا سعة عندها ، وذلك كقول الشاعر:

امتلأ الحوض وقال قطنى مهلا رويدا! قد ملأت بطني!

(1) تأويل مشكل القرآن ، لابن قتيبة ص 79.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت