فهرس الكتاب
متن ، ص: 95
ومنه عليه السلام ظهر مكنونها ، وعنه أخذت قوانينها ، وعلى أمثلته حذا كل قائل خطيب ، وبكلامه استعان كل واعظ بليغ ، ومع ذلك فقد سبق وقصروا ، وتقدم وتأخروا ، ولأن كلامه عليه السلام الكلام الذي عليه مسحة من العلم الإلهى ، وفيه عبقة من الكلام النبوي «1» ].
ولقد أنتج لنا اهتمام الشريف الرضى بهذه المصادر البلاغية ثلاثة كتب من خير ما صنف في البيان العربي ، لأنها كتب خالصة في البلاغة ، صريحة في البيان ، خالية من المصطلحات البيانية المتأخرة بعد ذلك ، تلك المصطلحات التي جعلت من البلاغة علما جافا ، وقواعد جامدة ، ونظريات تحفظ ولكنها لا تخرج بليغا ، ولا تصبّ على قوالبها فصيحا.
وكان كتاب «تلخيص البيان» هو الذي كشف فيه الرضى عن وجوه البيان في كتاب اللّه ، وكتاب «المجازات النبوية» هو الذي تناول فيه حديث الرسول صلّى اللّه عليه وسلم بجلاء عرائسه ، واستخراج نفائسه. أما كتاب «نهج البلاغة» فقد كان كله جمعا لكلام الإمام على ، ونظما لعقود درره ، وضما لأشتات لآلئه. ولعله - لو طال به الأجل رضى اللّه عنه - لصنع في كلام على كرم اللّه وجهه ما صنعه في حديث الرسول عليه السلام ، من الكشف عن وجوه بيانه ، وبيان جمال استعاراته ومجازاته.
والحق أن الشريف الرضى بهذه الكتب الثلاثة قد استكمل صفات المؤطّد أركان البلاغة العربية ، والداعم آساسها ، والمقيمها على قرار مكين من المعالجة البيانية الواضحة ، التي لا يحاجزها عن حسن التأتى معاظلة ولا تعقيد ولا التواء. وتلك يد سلفت
(1) من مقدمة الشريف الرضى لكتاب «نهج البلاغة» طبع مصر. ص 2 ، 3.