متن ، ص: 170
فلما جعله بمنزلة الداعي جعل الديكة بمنزلة القوم المدعوّين ، وجعلهم أسرة له ، وأسرة الرجل قومه ورهطه. والمعازيل الذين لا سلاح معهم. فكأنه جعله مستنصرا من لا نصرة له ولا غناء عنده. وقريب من ذلك قوله تعالى: فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ «1» على أحد القولين. فكأنه سبحانه ردّ خاضعين إلى أصحاب الأعناق لا إلى الأعناق ، لأن الخضوع منهم يكون على الحقيقة.
وقد يجوز أيضا أن يكون قوله في ذكر الكواكب والشمس والقمر: رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ إنما حسن على تأويل تلك الرؤيا. وتأويلها يتناول من يعقل من إخوة يوسف وأبويه. فجرى الوصف على تأويل الرؤيا ، ومصير العقبى. وهذا موضع حسن ، ولم يمض لى كمن «2» تقدم.
[سورة يوسف (12) : آية 18]
وَجاؤُ عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ (18)
وقوله سبحانه: وَجاؤُ عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ [18] وهذه استعارة. لأن الدم لا يوصف بالكذب على الحقيقة. والمراد بذلك - واللّه أعلم - بدم مكذوب فيه ، والتقدير بدم ذى كذب. وإنما يوصف الدم بالمصدر الذي هو (كذب) على طريق المبالغة.
لأن الدعوى التي «3» علقت بذلك الدم كانت غاية في الكذب.
وقال بعضهم: قد يجوز أيضا أن يكون «كذب» هاهنا صفة لقول محذوف يدلّ عليه الحال. فكأنّ التقدير: وجاءوا على قميصه بدم ، وجاءوا بقول كذب ، إذ كانت إشارتهم إلى آثار الدم في القميص قد صحبها قول منهم يؤكد تلك الحال ، وهو قولهم:
إِنَّا ذَهَبْنا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنا يُوسُفَ عِنْدَ مَتاعِنا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ [17] . والقول الأول
(1) سورة الشعراء. الآية رقم 4.
(2) هكذا بالأصل. وصوابه كما تقدم.
(3) فى الأصل «الذي» وهو خطأ ، فالدعوى مؤنثة لا مذكرة. وهو تحريف من الناسخ. []