متن ، ص: 222
ومعناه: لقد علم الأيقاظ عيونا. فجعل العين للنوم في أنها مشتملة عليه ، كالخفاء للقربة في أنه مشتمل عليها.
وقول الشاعر: أخفية الكرى من الاستعارات العجيبة ، والبدائع الغريبة. وقوله:
تزجّجها من حالك واكتحالها. يعود على العيون. كأنه قال: تزجّج العيون واكتحالها من سواد الليل. وهذا لا يكون إلا مع السهر وامتناع النوم ، لأن العيون حينئذ بانفتاحها تكون كالمباشرة لسواد الظلماء ، فيكون كالكحل لها.
والتزجّج: اسوداد العينين من الكحل. يقال: زجّجت «1» المرأة عينها وحاجبها.
إذا سودتهما بالإثمد.
وعلى التأويل الآخر يبعد الكلام عن طريق الاستعارة. وهو أن يكون أكاد هاهنا بمعنى أريد ، كما قلنا فيما مضى «2» . ومن الشواهد على ذلك قول الشاعر:
أمنخرم شعبان لم تقض حاجة من الحاج كنا في الأصم «3» نكيدها
أي كنا نريدها في رجب. ويكون «أخفيها» على موضوعه من غير أن يعكس عن وجهه. ويكون المعنى: إن الساعة آتية أريد أستر وقت مجيئها ، لما في ذلك من المصلحة. لأنه إذا كان المراد بإقامتها المجازاة على الأفعال ، والمؤاخذة بالأعمال ، كانت
(1) ومنه قول الشاعر الراعي النميري:
إذا ما الغانيات برزن يوما وزججن الحواجب والعيونا وهذا البيت من شواهد النحو في باب المفعول معه. انظر «أوضح المسالك ، إلى ألفية ابن مالك» الشاهد 259.
(2) فى الآية رقم 77 من سورة الكهف.
(3) الأصم: شهر رجب. وسمى بذلك لأنه كان لا يسمع فيه صوت السلاح لكونه شهرا حراما.
انظر لسان العرب. وقال الخليل: إنما سمى بذلك لأنه كان لا يسمع فيه صوت مستغيث ، ولا حركة قتال ، ولا قعقعة سلاح ، لأنه من الأشهر الحرم. []