متن ، ص: 321
وهما يلتقيان بالمقاربة ، لا بالممازجة ، فبينهما حاجز يمنعهما من الانحراق «1» ويصدّهما عن الاختلاط.
ومعنى قوله تعالى: لا يَبْغِيانِ أي لا يغلب أحدهما على الآخر ، فيقلبه إلى صفته ، إمّا الملح على العذب ، أو العذب على الملح. وكنى تعالى بلفظ البغي عن غلبة أحدهما على صاحبه. لأن الباغي في الشاهد اسم لمن تغلّب من طريق الظلم بالقوة والبسطة ، والتطاول والسطوة.
وقد مضى الكلام على مثل هذه الاستعارة فيما تقدم. إلّا أن فيها هاهنا زيادة أوجبت إعادة ذكرها.
[سورة الرحمن (55) : آية 27]
وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ (27)
وقوله سبحانه: وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ [22] وهذه استعارة. وقد تقدم الكلام على نظيرها. والمراد: وتبقى ذات ربّك وحقيقته.
ولو كان الكلام محمولا على ظاهره لكان فاسدا مستحيلا على قولنا وقول المخالفين.
لأنه لا أحد يقول من المشبّهة والمجسّمة ، الذين يثبتون للّه سبحانه أبعاضا مؤلفة «2» ، وأعضاء مصرّفة إنّ وجه اللّه سبحانه يبقى ، وسائره يبطل ويفنى. تعالى اللّه عن ذلك علوا كبيرا.
ومن الدليل على أن المراد بوجه اللّه هاهنا ذات اللّه قوله سبحانه: ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ ألا ترى أنه سبحانه لما قال في خاتمة هذه السورة: تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ قال:
ذِي الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ [78] ولم يقل (ذو) لأن اسم اللّه غير اللّه ، ووجه
(1) هكذا بالأصل ولعلها الانجراف أو الإغراق.
(2) فى الأصل «و مؤلفة» بواو قبل الصفة. وهى زائدة من الناسخ.