متن ، ص: 323
أصل ، وهو أقوى. والمستعار له فرع ، وهو أضعف. وهذا مطّرد في سائر الاستعارات ، فإذا تقرر ذلك كان قوله تعالى: سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلانِ من هذا القبيل.
فالمستعار منه هاهنا ما يجوز فيه الشغل ، وهو أفعال العباد ، والمستعار له ما لا يجوز فيه الشغل ، وهو أفعال اللّه تعالى. والمعنى الجامع لهما الوعيد ، إلا أن الوعيد بقول «1» القائل:
سأتفرع لعقوبتك ، أقوى من الوعيد بقوله: سأعاقبك. من قبل أنه كأنما قال: سأتجرد لمعاقبتك ، كأنه يريد استفراغ قوّته في العقوبة له.
ثم جاء القرآن على مطرح كلام العرب ، لأن معناه أسبق إلى النفس ، وأظهر للعقل ، والمراد به تغليظ الوعيد ، والمبالغة في التحذير. ومثل ذلك قوله تعالى في المدّثّر ، عليه الصلاة والسلام: ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا «2» فالمستعار منه هاهنا ما يجوز فيه المنع ، وهو أفعال العباد ، والمستعار له ما لا يجوز فيه المنع ، وهو أفعال القديم سبحانه كما قلنا أولا.
والمعنى الجامع لهما التخويف والتهديد.
والتهديد بقول القائل: ذرنى وفلانا - إذا أراد المبالغة في وعيده - أقوى من قوله:
خوّف فلانا من عقوبتى ، وحذّره من سطوتى. وهذا بيّن بحمد اللّه تعالى.
وقد يجوز أن يكون لذلك وجه آخر ، وهو أن يكون معنى قوله تعالى: سَنَفْرُغُ لَكُمْ أي سنفرّغ لكم ملائكتنا الموكّلين بالعذاب ، والمعدين لعقاب أهل النار.
ونظير ذلك قوله تعالى: وَجاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا «3» أي جاء ملائكة ربّك.
ويكون تقدير الكلام: وجاء ملائكة ربّك وهم صفّا صفّا. كما تقول: أقبل القوم وهم
(1) فى الأصل «يقول» على أنها فعل مضارع. وهو تحريف من الناسخ.
(2) سورة المدثر. الآية رقم 11.
(3) سورة الفجر. الآية رقم 22.