.. وأى غرابة في حفظ أبى هريرة أحاديث لم تبلغ خمسة آلاف وخمسمائة ومعلوم أن العرب قد اشتهروا وامتازوا بقوة حفظهم، ووجد في الصحابة والتابعين من كان آية عجبًا في قوة الذاكرة، وسرعة الحفظ؛ فالإمام أحمد بن حنبل، والبخارى، وأبو زرعة، وأشباههم، كان كل واحد منهم يحفظ عشرات الألوف من الأحاديث بأسانيدها" (1) ."
... يقول الدكتور السباعى دفاعًا عن أبى هريرة:"إن صحابيًا يظل يحدث الناس سبعًا وأربعين سنة بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم على مسمع من كبار الصحابة، وأقرب الناس إليه من زوجته وأصحابه، ثم لا يلقى إلا تجلة وإعظامًا، يرجع إليه في معرفة الأحاديث، ويهرع إليه التابعون من كل جانب … ويبلغ الآخذون عنه ثمانمائة من أهل العلم … وكلهم يجمعون على جلالته والثقة به … وتمر هذه القرون وكلها شهادات صدق في أحاديثه وأخباره … ويأتى اليوم من يزعم أن المسلمين جميعًا … لم يعرفوه على حقيقته، وأنه في الواقع كان يكذب ويفترى، إن موقفًا كهذا يقفه بعض الناس من مثل هذا الصحابى العظيم، لجدير بأن يجلب لأهله والقائلين به الاستخفاف، والازدراء بعلومهم، وعقولهم جميعًا (2) ."
... إن حب هذا الصحابى الجليل لعلامة على الإيمان وبغضه لعلامة على النفاق وهذا تصديقًا لدعوة النبى صلى الله عليه وسلم لما سأله أبو هريرة بأن يدعو الله له بأن يحببه هو وأمه إلى عباده المؤمنين. ويحببهم إليهما، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"اللهم حبب عبيدك هذا -يعنى أبا هريرة- وأمه إلى عبادك المؤمنين، وحبب إليهم المؤمنين"يقول أبو هريرة فما خلق الله مؤمنًا يسمع بى ولا يرانى إلا أحبنى (3) .
(1) السنة ومناهج المحدثين للدكتور رجب صقر ص 66 بتصرف.
(2) السنة ومكانتها في التشريع ص 319 بتصرف يسير.
(3) أخرجه مسلم (بشرح النووى) كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل أبى هريرة الدوسى رضي الله عنه 8/290 رقم 2491.