فمن كان في أعلى درجات الإتقان والحفظ، كان ما تفرَّد به صحيحًا، مركونًا إليه، ومن نزل عن هذه الدرجة تكون أفراده حسنة، وما تابعه غيره فيه صحيحًا، ومن نزل عن ذلك يكون ما رواه منكرًا أو شاذًا، ومن نقص عن ذلك يكون حديثه ضعيفًا.
والمرجع في ذلك كله ما حرَّره الأئمة الحفاظ من أحوال الرجال، وبيَّنوا من صفاتهم، أو تعرضوا له من الأحاديث بالتنصيص عليه؛ مع النقد الصحيح، والتَّصرف الجاري على قواعدهم.
إن الأئمة اتفقت على أن كل ما أسنده البخاري أو مسلم في كتابيهما - "الصحيحين"- فهو صحيح لا ينظر فيه، وأنه لا يصل إلى درجتهما في ذلك كتب السنن والمسانيد، بل هذه الكتب مشتملة على الصحيح، والحسن، والضعيف، وفي يسير منها أحاديث واهية جدًا وذلك قليل -أو نادر- في "سنن النسائي"، وما كان فيه ضعف في "جامع الترمذي" فبينّه وتخرج من عهدته، وأما "سنن أبي داود" و"ابن ماجة"؛ فلا يبينان شيئًا من ذلك، إلا في بعض منها؛ بينها أبو داود، وذكر أن ما سكت عنه فهو صالح للاحتجاج به، ومقتضى ذلك أنه يكون حسنًا عنده، ولكن لا يلزم منه أن يكون حسنًا في نفس الأمر، لا سيما إذا قوي حال رواته في الضعف.