فهرس الكتاب

الصفحة 22 من 70

فلا أحد يقول لي: العالم الفلاني تاريخه كذا وكذا والداعية الفلاني تاريخة كذا وكذا في نُّصرة السُنّة وفي الدعوة لله. هذا الكلام عند رب العالمين فأنا لا أستطيع أن أعرف هل كان هذا الرجل دعي أم كان مخلص؟ ولا أعرف هل فُتِنَ هذا الرجل أم لم يفتن؟ وقلوب العباد بين اصبعين من أصابع الرحمن، في حالات كثيرة لا أستطيع أن أُميِّز هل هو جاهل أم غير جاهل، وهذه ليست مهمتي ولا يهمني الماضي بل يهمني ما أراه من أعمال لها أحكام في الشريعة، يعني نحن في حالة حرب مع الحكام ومع اليهود والنصارى فيخرج عالم فيقول"هؤلاء الحكام شرعيين"وكذا وكذا، فهذا العمل له حكم في الشريعة.

ونريد أن نأخذ من فقه السلف الصالح حكم هذه الأعمال وهناك كتاب جيد جدًا، اسمه [الإسلام بين الحكام والعلماء] [1] ؛ جمع فيه المؤلف كثيرًا من روايات السجلات التي حصلت بين كثير من علماء السلف وحكام زمانهم مع أن أغلبهم كانوا خلفاء وحكام شرعيين يحكموا بما أنزل الله ومع ذلك حصل بينهم وبين كثير من علماء السلف شجارات وكان العلماء يقفون فيها وقفات ناصعة سجل لنا التا ريخ منها الكثير، من أحمد بن حنبل إلى العز بن عبد السلام وغيرهم.

سمعت قريبًا شريط للشيخ عبد الرحيم الطحان، اسمه [هداية الأسياد في اختلاف الناس] أو شيء من هذا القبيل؛ فروى رواية عن أحد علماء وأئمة الحديث، اسمه محمد بن أسلم الخرساني أنه لما دخل على عبد الله بن طاهر وكان رجلًا مثل الحجاج، شديد وصاحب بطش؛ فكان العالم لا ينظر إلى وجه الأمير فالأمير نظر إلى العالم، وقال له:"مالك لا تنظر إلى السماء؟ وكان عمر بن الخطاب - وهو خيرٌ منك - ينظر إلى السماء؟"فقال له محمد بن أسلم:"وما لي لا أنظر إلى السماء، وهل يأتِ الخير إلا من السماء؟ ولكن حدثنا الثقات عن سفيان الثوري أن النظر إلى وجوهكم معصية" [2] فهو أمير معين من خليفة شرعي يحكم بما أنزل الله ولكنه رجلٌ ظالم ولذلك يقول له هذا العالم"النظر إلى وجوهكم معصية."

فهذا المثال غيضٌ من فيض، لا ينتهي من تاريخ علماء الإسلام، من عصر التابعين وتابعيهم إلى أيامنا هذه؛ في تاريخ قريب كان أحد شيوخ الأزهر، في عصر الملك فاروق - نسيت اسمه - كان جالسًا في المسجد فدخل الملك فاروق وكان العالِم مادًا رجليه، ربما عنده ألم في رجله. فدخل فاروق فلم يقم ولم يسحب رجله فانزعج فاروق. وهذا الكلام ليس من أيام الصحابة بل بالأمس القريب. [3] فانزعج الملك فاروق، فقال له بعض علماء السوء:"بدل أن تنزل به العقوبة، ابعث له شيئًا"

(1) تأليف عبد العزيز البدري. عالم عراقي من مدينة سامراء، أعدم في عام 1969، على يد نظام عبد الكريم قاسم الشيوعي.

(2) جاء في سير أعلام النبلاء (12/ 202) للإمام الذهبي: قال الإمام الرباني شيخ الإسلام محمد بن أسلم الخرساني: لما أدخلت على عبد الله بن طاهر، ولم أسلم عليه بالإمارة، غضب وقال: عمدتم إلى رجل من أهل القبلة فكفرتموه، فقيل: قد كان ما أنهي إلى الأمير. فقال ابن طاهر: شراك نعلي عمر بن الخطاب خير منك، وكان يرفع رأسه إلى السماء، وقد بلغني أنك لا ترفع رأسك إلى السماء، فقلت برأسي هكذا إلى السماء ساعة، ثمّ قلت: ولم لا أرفع رأسي إلى السماء؟ وهل أرجو الخير إلا ممّن في السماء؟ ولكنّي سمعت مؤمل ابن إسماعيل يقول: سمعت سفيان يقول: النظر في وجوهكم معصية، فقال بيده هكذا، يحبس.

(3) انتهى الملف الثاني وابتدأ الملف الثالث.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت