فهرس الكتاب

الصفحة 1013 من 1115

والشاهد فيه أن الشاعر: نفى التثقيب عن الجزع تحقيقا للتشبيه، وبيانا لتساوي الطرفين في وجه الشبه، لأن الجزع إذا كان مثقبا خالف العيون في الشكل بعض المخالفة، إذ لا ثقوب فيها.

والثانية: أن تؤخذ جميع الأطراف: بأن يعتبر وجودها جميعها في وجه الشبه كما مر نحو قول الشاعر:

وقد لاح في الصبح الثريا كما ترى ... كعنقود ملاحية حين نورا

فقد اعتبر في كل من الطرفين: الشكل، والمقدار، واللون، والوضع الخاص- ومثله سائر التشبيهات السابقة.

ومن ابلغ الاستقصاء في التفصيل وعجيبه قوول ابن المعتز:

كأنا وضوء الصبح يستعجل الدجى ... نطير غرابا ذا قوادم جون1

شبه هيئة ظلام الليل، يبدو في ثناياه ضوء الصبح: بهيئة غراب أسود اللون، ذي قوادمن بيض، وإنما روعي أن تكون قوادمه بيضاء لأن تلك القطع م الظلام تقع في حواشيها أطياف من نور، يتخيل منها في مرأى العين شكل قوادم بيض لطائر أسود قائتم السواد، وسر الروعة والجمال في هذه التشبيه: أنهجعل ضوء الصبح -لقوة ظهوره، ودفعه للظلام- كأنه يحفز الدجى، ويستعجلها، ولا يرضى منها أن تتمهل في حركتها، ولما راعى ذلك في التشبيه ابتداء راعاه آخر؟، حيث قال:"نطير غرابا"ليفيد معنى لاسرعة- لأن الطائر إذا كان حاطا في مكان، فأزعج وأطير منه كان ذلك -لا محالة- أسرع لطيرانه، وأدعى لأن يمعن في الطيران، إلى حيث لاتراه العيون- بخلاف ما إذا طار عن اختيار، فقد يجوز أن يبطئ في طيرانه، وليس هذا المعنى مرادا.

1"القودام"أوائل ريش الطائر،"والجون"بالضم جمع جون بالفتح يطلق على الأبيض والأسود، والمراد هنا الأبيض.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت