فهرس الكتاب

الصفحة 12 من 1115

الثاني: عدم استعمال الكلمة عند العرب الخلص بالمعنى الذي أريد منها، فيحتاج في معرفتها إلى تخريج على وجه بعيد, كلفظ"مسرجا"في قول العجاج أحد الرجازين المشهورين:

أيام أبدت واضحًا مفلجًا ... أغر براقًا وطرفًا أدعجا

ومقلة وحاجبًا مزججًا ... وفاحمًا ومرسنًا مسرجا1

يصف الشاعر من محبوبته عدة أشياء؛ منها الأنف في قوله:"ومرسنا مسرجا"فقد أراد بالمرسن أنفها، وهو في الأصل أنف البعير؛ إذ هو موضع الرسن2 منه.

ثم أريد به: مطلق أنف, مجازًا مرسلًا كما سيأتي بيانه في محله فقوله:"مسرجا"غير فصيح؛ لأنه غريب غير ظاهر المعنى لعدم استعماله بالمعنى الذي أريد منه على ما يظهر.

بيان ذلك: أنه لم يعلم ما أراده الشاعر بقوله:"مسرجا"؛ ولذلك اختلف فيه فقيل: هو من قولهم:"سيوف سريجية"أي: منسوبة إلى حداد يقال له: سريج3 كان يجيد صنعها، فهو يريد أن يشبه أنفها في الدقة والاستواء بالسيف السريجي.

وقيل: هو من السراج أي: المصباح، يريد أن يشبه أنفها في البريق واللمعان بالسراج. وهذا التأويل قريب من قولهم: سرج الله وجهه أي: بهجه وحسنه.

وعلى كلا القولين هو غير ظاهر الدلالة على ما ذكر؛ لأن مادة"فعَّل"بالتشديد إنما تدل فقط على مجرد نسبة شيء إلى شيء, فيقال: كفّر فلان فلانًا نسبه إلى الكفر, وفسَّقه نسبه إلى الفسق، فهو مكفر أو مفسق أي: منسوب إلى الكفر والفسق. أما النسبة التشبيهية، وهي أن يكون المنسوب شبيها بالمنسوب إليه، فلا تدل عليه

1 ضمير"أبدت"عائد على محبوبته في البيت قبله"وواضحًا"صفة لموصوف محذوف أي: سنًّا واضحًا متميزًا، والفلج بالتحريك: تباعد ما بين الأسنان، والأغر: الأبيض، والدعج بالتحريك: اتساع العين وحسنها, والتزجيج: التدقيق مع تقويس, و"فاحما"صفة لمحذوف أي: شعرًا أسود كالفحم, فهو نسبة تشبيهية من نسبة المشبه إلى المشبه به.

2 هو مقود البعير.

3 بضم السين, وفتح الراء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت