فهرس الكتاب
لأن الله تعالى أمر بالإصلاح أولًا في قوله تعالى: {وَإِنْ (( (( (( (( (( (( (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا (( (( (( (( (( (( (بَيْنَهُمَا} [1] والإصلاح إنما يكون بمراسلتهم وكشف شبهتهم وإزالة ما يدعونه من مظلمة.
ولهُ إنظَارُهُم مُدةً، لا خَدِيعَةً، فإن أصَرُّوا دَفَعَهُمْ بالأَسْهَلِ، وإلاَّ قَاتَلَهُم
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ولهُ إنظَارُهُم مُدةً) أي: وإن طلب البغاة من الإمام إمهالهم مدة للتأمل في إزالة الشبهة، أمهلهم ليتضح لهم الحق، لأن الإمهال المرجو به رجوعهم أولى من معاجلتهم بالقتال المؤدي إلى الفتن وسفك الدماء.
قوله: (لا خَدِيعَةً) أي: وإن ظهر أن طلب الإمهال خديعة منهم لاجتماع عساكرهم وانتظار مَدَدِهم أو أَخْذِ الإمام على غرة، فإنه لا يمهلهم، لأن ذلك يصير طريقًا إلى قهر أهل الحق والعدل، وهذا لا يجوز.
قوله: (فإن أصَرُّوا دَفَعَهُمْ بالأَسْهَلِ) أي: فإن أصروا بعد إزالة ما يذكرون (دَفَعَهُمْ بالأَسْهَلِ) فنصحهم وخوفهم عاقبة البغي وأمرهم بالعود للطاعة، لأن ذلك أقرب إلى حصول المقصود، فإن أصروا دعاهم إلى المناظرة، فإن لم يجيبوا أو أجابوا وغُلبوا في المناظرة وأصروا آذنهم بالقتال.
قوله: (وإلاَّ قَاتَلَهُم) أي: وإن لم يرجعوا وأصروا على موقفهم وجب على الإمام قتالهم، لقوله تعالى: {فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى (( (( (( (( (( فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي (( (( (( تَفِيءَ إِلَى (( (( (( اللَّهِ} [2] ، ولدفع شرهم وأذاهم عن المسلمين، وللحفاظ على وحدة الدولة الإسلامية وعزتها، وعليه: فقتال البغاة هو آخر وسيلة يلجأ إليها الإمام.
وَيَجِبُ عَونُهُ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وَيَجِبُ عَونُهُ) أي: ويجب على رعية الإمام مساعدته وتأييده على قتال البغاة، وهو أنهم يقاتلون وعلى الرعية معونة الإمام، ويستدلون على ذلك بأن الصحابة - أجمعوا على قتال مانعي الزكاة، وَقَاتَلَ عليٌّ - رضي الله عنه - أهل البصرة يوم الجمل، وأهل الشام يوم صفين، وأهل النهروان [3] .
ومما يدل على أن الرعية تكون عونًا له، قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ (( (( (( (( (( (أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ} [4] ، ولحديث عبادة - رضي الله عنه - قال: «بَايَعْنَا رَسُولَ الله - عَلَى السَّمعِ وَالطَّاعَةِ» [5] والإمام قائم مقامه فوجب أن يعطى حكمه.
ويرى شيخ الإسلام ابن تيمية وجوب التفريق بين أهل التأويل السائغ والمارقين من الدين من الخوارج والمرتدين ونحوهم، وأن الشريعة إنما جاءت بطلب قتال الفئة الأخيرة، كما فعل الصديق - رضي الله عنه - مع المرتدين ومانعي الزكاة، وعليٌّ - رضي الله عنه -
(1) سورة الحجرات، الآية (9) .
(2) سورة الحجرات، الآية (9) .
(3) انظر:"الشرح الكبير مع الإنصاف" (27/ 57) .
(4) سورة النساء، الآية (59) .
(5) أخرجه البخاري (7199) ، ومسلم (1709) .