الصفحة 356 من 2648

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وأما الأكبر فيكره أذان الجنب، ومنهم من قال: لا يصح أذانه، بل يعيده إذا تطهر، وهذا رواية عن الإمام أحمد، اختارها الخرقي [1] . والصحيح من المذهب: أنه يصح [2] . وهذا إذا كانت المنارة خارج المسجد، فإن كانت في المسجد لم يصح إلا بوضوء، لتحريم اللبث فيه -كما تقدم- وفي زماننا هذا لا يمكن الأذان إلا داخل المسجد.

قوله: (وقيامُه مستقبلًا) أي: يسن أن يؤذن قائمًا، وهذا لا خلاف فيه، وقد استدل بعض العلماء كابن المنذر، والقاضي عياض [3] وغيرهما على مشروعية القيام حال الأذان، بقوله - صلى الله عليه وسلم: «يَا بِلالُ، قُمْ فَنَادِ بِالصَّلاةِ» [4] .

وقد ردَّ هذا النووي وقال:"إن المراد اذهب إلى موضع بارز فناد بالصلاة" [5] . قال الحافظ:"وما نفاه ليس ببعيد من ظاهر اللفظ، فإن الصيغة محتملة للأمرين، وإن كان ما قاله أرجح" [6] . قال ابن المنذر:"ولم يختلف أهل"

على علوٍّ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

العلم في أن من السنة أن يؤذن وهو قائم إلا من علة، فإن كانت به علة فله أن يؤذن جالسًا" [7] ."

وقوله: (مستقبلًا) أي: القبلة، لأنها أشرف الجهات، وهذا سنة بالإجماع، كما نقله ابن المنذر [8] . واستقبالها حال الأذان هو المنقول سلفًا وخلفًا.

وقد ثبت الاستقبال في الأذان من المَلَكِ الذي رآه عبد الله بن زيد الأنصاري - رضي الله عنه - في المنام. فقد ورد في مسند إسحاق بن راهويه عن عبد الرحمن ابن أبي ليلى قال: «جاء عبد الله بن زيد، فقال: يا رسول الله، إني رأيت رجلًا نزل من السماء فقام على جِذْمِ حائط، فاستقبل القبلة ... » فذكر الحديث [9] .

قوله: (على علوٍّ) أي: على موضع عالٍ، كالمنارة وهي المئذنة، لأن ذلك أبعد للصوت، وأبلغ في الإعلام، سواء كان العلو بذات المؤذن، أو بصوته، كما هو موجود الآن بواسطة مكبرات الصوت.

وقد ورد من طريق القاسم بن محمد، عن عائشة في أذان ابن أم مكتوم بعد بلال، قالت: «لم يَكُنْ بَينَهُمَا إلا أَن يَنْزِلَ هَذَا وَيَرقَى هَذَا» [10] ، فهذا

(1) "المغني" (2/ 67) .

(2) "المغني" (2/ 68) ،"الإنصاف" (1/ 415) .

(3) انظر:"الأوسط" (3/ 12) ،"شرح القاضي عياض على مسلم" (2/ 239) .

(4) أخرجه البخاري (604) ، ومسلم (377) .

(5) "شرح النووي على مسلم" (3/ 318) .

(6) "فتح الباري" (2/ 81) .

(7) "الأوسط" (3/ 46) .

(8) "الأوسط" (3/ 28) ،"المغني" (2/ 84) .

(9) انظر:"التلخيص" (1/ 214) ،"الإرواء" (1/ 250) .

(10) أخرجه البخاري (1818) ، ومسلم (1092) ، وانظر:"فتح الباري" (2/ 105) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت