كحيوان مأكول اللحم، فهو طاهر كلبنه، ومنيه، وعرقه، وريقه، وبوله، وروثه، ونحو ذلك.
قوله: (وما أُبِيْنَ من حيٍّ كَمَيِّته) (أُبينَ) أي: فصل وقطع، من حيوان. (حي) كَيَدٍ، أو رِجلٍ، أو أليةٍ، أو سَنَامٍ. (كَمَيِّته) أي: فهو كميته طهارةً ونجاسةً، حِلًا وحرمة، فما أبين من الآدمي فهو طاهر، حرام، لحرمته لا لنجاسته، وما أبين من السمك والجراد فهو طاهر حلال، وما أبين من شاة أو بقرة أو بعير فهو نَجس حرام، لأن ميتتها نَجسة حرام، وعبارة المصنف قاعدة فقهية، دَلَّ عليها حديث أبي واقد الليثي - رضي الله عنه - قال: قدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المدينة والناس يَجُبُّونَ أسنمة الإبل، ويقطعون أليات الغنم، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «مَا قُطِعَ
سوى شَعْرٍ، ومِسْكٍ، وفأرَتِهِ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مِنْ البَهِيمَةِ وَهِيَ حَيَّةٌ فَهِيَ مَيتَةٌ» [1] .
قوله: (سوى شَعْرٍ) فهذا مستثنى، وكذا صوف أو ريش أو وبر، وظاهر عبارته أنه لا فرق بين الحيوان الطاهر والنجس، وهذا رواية عن أحمد، والمذهب أن المراد: شعر المأكول [2] ، فهذا طاهر إذا جُزَّ من الحيوان في حياته، للحاجة إليه في الملابس، ولو قُصِرَ الانتفاع على ما يكون على ظهر المُذكَّى لضاع معظم الانتفاع.
قوله: (ومِسْكٍ، وفأرَتِهِ) هذا مستثنى آخر. والمسك: بكسر الميم: طيب من دم الغزال. وفأرته: بالهمز، وهو الوعاء الذي يكون المسك بداخله.
فالمسك طاهر، بدليل قوله - صلى الله عليه وسلم: «إِنَّمَا مَثَلُ الجَلِيسِ الصَّالِحِ وَالجَلِيسِ السُّوْءِ كَحَامِلِ المِسْكِ وَنَافِخِ الكِيرِ ... » الحديث [3] ، قال الحافظ ابن حجر:
ولا يَطْهُرُ نَجِسٌ بِدَبْغٍ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
"فيه جواز بيع المسك والحكم بطهارته، لأنه - صلى الله عليه وسلم - مدحه ورغَّب فيه ..." [4] .
قوله: (ولا يطهرُ نَجِسٌ بِدَبْغٍ) النجس: شامل لجلد الميتة الطاهرة في حال الحياة كالهرة، والمأكولة كالإبل والبقر، وغير الطاهرة كالكلب، لأن الكل موصوف بالنجاسة.
(1) أخرجه أبو داود (2858) ، والترمذي (1480) من طريق عطاء بن يسار، عن أبي واقد - رضي الله عنه -. وسنده حسن. لأن فيه: عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار. قال عنه في التقريب:"صدوق يخطئ"اهـ. والحديث له شاهد قوي من حديث أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - أخرجه الحاكم (4/ 239) وقال:"صحيح على شرط الشيخين"، وتعقبه الألباني في"غاية المرام"ص (43) بأن أحد رواته -وهو عبد العزيز الأويسي- لم يخرج له مسلم شيئًا، فالحديث على شرط البخاري، والأويسي ثقة، فالحديث صحيح.
(2) "الإنصاف" (1/ 92) ،"الفتاوى" (21/ 617) .
(3) أخرجه البخاري (2101) ، ومسلم (2628) .
(4) "فتح الباري" (4/ 324) .