فهرس الكتاب
وأما قولهم: إنه يجدد الحزن ... إلخ، فهذا فيه نظر، فإن الملاحظ أن التعزية فيها مواساة للمصاب، وتسلية له، ولاسيما إذا رأى الناس يأتونه ويشاركونه مصيبته، فالحضور له وقع كبير في النفوس، وما يصاحب الاجتماع عند بعض الناس من مخالفات وبدع فإنه لا يقتضي المنع، بل يجب محاربة البدع، والتحذير منها، وهكذا كل حكم شرعي ابتدع الناس فيه بدعًا فإنه يجب التحذير منها، ولا يكون ذلك سببًا في النهي عنه.
ولعل ما ورد من المنع عند المتقدمين ليس على إطلاقه، بل المراد به ما اشتمل على أمور محرمة، كما تقدم، ومن يراجع كلامهم في مواضعه يرى أن المنع ليس لذات الجلوس، وإنما هو معلَّل بأنه يجدد الحزن ويكلف المؤنة، وقد يؤدي إلى صنع الطعام والاجتماع عليه، فإذا خلا من هذه الموانع وما شابهها فأيُّ مانع من القول بجوازه؟! ولاسيما أنه يحقق فوائد متعددة، وقد ورد في كتب السير والتراجم الجلوس للتعزية من علماء أجلاء من كبار المحدثين والفقهاء، وهم أعلم منا بمعاني النصوص وأكثر إدراكًا لمقاصد الشريعة [1] ، والله تعالى أعلم.
(1) انظر على سبيل المثال:"تاريخ بغداد" (5/ 259) ،"سير أعلام النبلاء" (13/ 112) (14/ 201) ، (20/ 83) ،"تهذيب التهذيب" (6/ 190 - 192) ، رسالة:"التجلية لحكم الجلوس للتعزية"تأليف: أبي معاذ ظافر بن حسن آل جبعان.