فهرس الكتاب
مِنَ اللَّيْلِ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لكُل امْرِئٍ مَا نَوَى ... » الحديث [1] ، ولأن الصوم قد يكون أداءً، أو قضاءً، أو عن كفارة أو نحو ذلك، فلا بُدَّ من تمييز العبادة بعضها عن بعض، قال شيخ الإسلام ابن تيمية:"اتفق العلماء على أن العبادة المقصودة لنفسها كالصلاة، والصيام، والحج، لا تصح إلا بِنِيَّة" [2] ، وظاهر كلام المصنف أن النِّيَّة شرط في الصوم الواجب دون التطوع.
قوله: (مِنَ اللَّيْلِ) هذا شرط النِّيَّة، لحديث حفصة أم المؤمنين أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «مَنْ لمْ يُجْمِعِ الصِّيَامَ قَبْل الفَجْرِ فَلا صِيَامَ لهُ» [3] . ومعنى: «مَنْ لمْ يُجْمِع» : من لم يعزم وَيَنْوِ، فتصح النِّيَّة في أيِّ جُزءٍ من أجزاء الليل، لقوله - صلى الله عليه وسلم:
(1) أخرجه البخاري (1) ، ومسلم (1907) ، وتقدم مرارًا.
(2) شرح حديث: «إنما الأعمال بالنيات» لابن تيمية ص (19) .
(3) أخرجه أبو داود (2454) ، والترمذي (730) ، والنسائي (4/ 196) ، وابن ماجه (1700) ، وأحمد (44/ 53) من طريق عبد الله بن أبي بكر، عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه، عن حفصة مرفوعًا. وليس عند ابن ماجه ذكر الزهري، وهذا لفظ النسائي، وعند الباقين -عدا ابن ماجه-: «مَن لم يُجمِع الصيامَ قَبلَ الفجرِ فلا صيامَ له» وهو رواية للنسائي.
وهذا الحديث في سنده اضطراب شديد، وقد روي مرفوعًا، رفعه يحيى بن أيوب، وتابعه ابن لهيعة عند أحمد (44/ 53) ، وأبي داود، ورواه موقوفًا جمع من الثقات، وهم: معمر، والزُّبيدي، وابن عيينة، ويونس الأيلي، عن الزهري، عن حمزة بن عبدالله بن عمر، عن أبيه، عن حفصة به، وهذا إسناد صحيح. وقد رجَّح الموقوف الإمام البخاري كما في"علل الترمذي" (1/ 349) ، وقال عن رفعه:"إنه خطأ، والصحيح أنه موقوف"، ونقل ابن تيمية في"شرح العمدة" (1/ 183) عن الميموني أنه سأل الإمام أحمد عنه، فقال:"أُخبرك، ما له عندي ذاك الإسناد، إلا أنه عن ابن عمر وحفصة إسنادان جيدان". ... =
= ... كما رجَّح وقفه النسائي، والترمذي، وأبو حاتم، والبيهقي، وابن عبد البر، والزيلعي، وآخرون، ووجه ذلك أن مدار الطرق المرفوعة على يحيى بن أيوب، وهو ليس بذاك، كيف وقد خالف الثقات المذكورين.
ورجَّح رفعه جماعة من الأئمة، منهم: ابن خزيمة، وابن حبان، والنووي، وقد جاء وقفه على ابن عمر -أيضًا- رواه مالك (1/ 188) ، عن نافع، عن ابن عمر به، ومن طريقه النسائي (4/ 198) ، والبيهقي (6/ 227) ، وإسناده صحيح. وقال الشيخ عبد العزيز بن باز:"من رواه موقوفًا فلا منافاة بينه وبين المرفوع، فالموقوف يؤيد المرفوع، لأن هذا لا يقال من جهة الرأي، فهو مرفوع حكمًا ...".