وكذلك أمور الجيش، فالجيش قديمًا كان لكل مقاتل فيه سلاحه الخاص به، وكان مقدورًا على إحضار السلاح وصناعته بمجهود يسير، ومع التطور المذهل في أنواع الأسلحة وتقنيتها والاحتياج إلى التدريب عليها قبل استعمالها، إضافة إلى استحالة قدرة الأفراد على صناعتها أو حتى شرائها، ثم الاحتياج إلى صيانتها وتحديثها، يصبح وجود جيش ثابت منظم ومدرب من الأمور التي لا غنى عنها للقيام بفريضة الجهاد طلبًا ودفعًا، ومع وجود الجيش الثابت تظهر الحاجة إلى التنظيم؛ كتقسيم الجيش إلى وحدات أو أفرع، كل فرع له سلاح يستخدمه، ثم وجود هيئة مسؤولة عن التدريب وأخرى عن الصيانة، وقس على ذلك أمورًا كثيرة.
فهذه أمور لم ينظِّم الإسلام الجانب الإداري منها المتعلق بالخبرة البشرية وبتطورات الحياة وتقدُّم الإنسانية في معارفها؛ لأن هذا الجانب هو بطبيعته متغير متطور بتطور البشرية، وإنما بيَّن الشرع ما يتعلق بذلك من الحلال والحرام والصحيح والباطل، وأطلق في كيفيات التحقيق والتنظيم والترتيب وإنشاء المرافق المتخصصة التي تخدم تلك المجالات مع الالتزام بأحكام الشريعة وقواعدها ومقاصدها، وهذا لا شك أنه من طبيعة الدين الصالح لكل زمان ومكان، المُصلح لكل زمان ومكان؛ أن لا يُلزمهم بكيفيات تنفيذية يرتبط صلاحها أصلًا بالبيئة التي يُطَّبق فيها، وإذا كانت الشريعة قد أطلقت الكيفيات في مثل تلك الأمور؛ فإن وضع كيفية لذلك ومحاولة جعلها كيفية عامة غير مرتبطة بالزمان والمكان؛ هو أمر مخالف للإطلاق الذي جاءت به الشريعة وقامت عليه تلك الكيفية، وذلك أن غالب الكيفيات إنما هي نتيجة اجتهاد قائم على تحقيق المصلحة في زمان محدَّد ومكان محدَّد، فلا يمكن عدُّه اجتهادًا ملزمًا لجميع الأعصار والأمصار، ولكن هذا لا يمنع من وضع نظام يكون محقِّقًا للمصلحة؛ على أن يرتبط دوام ذلك النظام بتحقيق المصلحة، فإذا تغيرت الظروف أو الأحوال التي بني عليها ذلك الاجتهاد؛ أمكن تغيير تلك التنظيمات أو الكيفيات إلى أخرى جديدة تحقق المصلحة نفسها، ونؤكد في هذا الخصوص أن هذا تغيير في الكيفيات والتنظيمات المبنية على تحقيق المصلحة، وليس تغييرًا في الأحكام الشرعية، فإن الحكم