منصب رئاسة النظام السياسي في الإسلام منصب كبير، تجتمع فيه القيادة العليا للأمة مع الهيبة والجلال والاحترام والوقار المصحوب بالجد والحزم، وهي قيادة ليست مطلقة بمقتضى نظر الخليفة المجرد مما يظهر له أنه يحقق المصلحة، بل هو مقيد في ذلك باتباع الشرع؛ يدور معه حيث دار، كما أن الهيبة والحزم ليست مع الرعب والفزع ولكن مع التواضع ولين الجانب.
الخلافة لم تنشأ في الإسلام نتيجة لعقد اجتماعي بين أفراد الشعب؛ يعبِّر عن الإرادة الشعبية في إقامة سلطة تحكم المجتمع وتحقق مصالحه [1] ، وإنما نشأت الخلافة نشأة شرعية تستمد سلطانها وأحكامها من الشريعة التي أنشأتها، والدليل على ذلك أمور، منها:
الأول: الأدلة الكثيرة التي تتحدث عن الخليفة والخلافة وحقوقه وواجباته، والتي سقنا بعضًا منها في هذا البحث، ما يبين أن الشرع هو الذي أنشأ الخلافة وأعطاها مصطلحاتها الخاصة بها، وبين حقوقها والتزاماتها.
الثاني: أن المسلمين لم يسبق لهم عهد بهذا النوع من الحكومات، كما أنه لم يكن موجودًا في حواضر المدنيات المعاصرة كفارس والروم حتى يُقال قلَّدوا غيرهم في ذلك، فإذا لم يكن عند المسلمين سابقة في ذلك لا من داخلهم ولا من خارجهم؛ فما بقي إلا أن يكونوا أخذوا ذلك من دينهم.
الثالث: مبادرة أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم رضي الله عنهم، وهم أعلم الأمة بدين ربها وأفقههم فيه، إلى اختيار من يخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم في قيادة الأمة بعد وفاته، حتى إنهم قاموا بذلك والرسول صلى الله عليه وسلم بعدُ لم يدفن، وهذا دليل على أن ضرورة إقامة الخلافة كانت أمرًا معلومًا سابقًا لم يحتج منهم إلى تفكير
(1) - يرى الفكر السياسي الوضعي الحديث أن الدولة إنما نشأت نتيجة للإرادة الشعبية، ونظرًا لأنه لا يمكن تصور دولة بدون ممارسة السلطة على الرعية؛ فإن الفكر السياسي الوضعي الحديث يذهب إلى أن صاحب السيادة في هذه الحالة هو الشعب وليس الحكام الذين يمارسون السلطة كما كان الأمر قبل ظهور هذه النظرية (نظرية العقد الاجتماعي) ، وتعرَّف «السيادة» في ذلك الفكر بما مضمونه: «سلطة عليا مطلقة لا شريك لها ولا ند، متفردة بالتشريع الملزم فيما يتعلق بتنظيم شؤون الدولة أو المجتمع» ـ (تحطيم الصنم العلماني) ، ص 49 ـ، وصاحبها ـ كما ذكرنا ـ هو الشعب، وعلى ذلك فليس القانون شيئًا زائدًا عن كونه إرادة الشعب، ولا معنى لصواب القانون إلا أن يكون بإرادة الشعب، فالصواب والعلو صفتان ملازمتان للإرادة الشعبية.