المبحث الثاني
في التنظيمات الإدارية في النظام السياسي الإسلامي
التشريع في الإسلام ـ تحليلًا وتحريمًا، تصحيحًا وإبطالًا، في أفعال الناس وأقوالهم واعتقاداتهم ـ إنما هو لربِّ الناس الذي خلقهم ورزقهم، والذي يبعثهم من بعد موتهم ليحاسبهم عما قدَّموا في حياتهم الدنيا، والناس بمعزل عن التشريع، سواء كانوا جماعة أو هيئة أو حتى أمة ودولة، والنصوص الدالة على ذلك كثيرة جدًا، وأقوال العلماء في ذلك واضحة جدًا [1] .
وهناك أمور ليست من التشريع، وإنما هي من التنظيم والترتيب الذي بها ينتظم العمل ويحقق الأهداف المرجوة منه، فهذه لا حرج فيها ما دام أنها لا تخالف الشريعة في شيء [2] ، وهذا النوع من الترتيب والتنظيم أو التنظيم الإداري لا تستغني عنه أمة من الأمم، سواء كان ذلك في عصر التقنية المتقدمة، أو في الأعصر التي سلفت.
لكن هذه التنظيمات والترتيبات الإدارية قد لا يظهر الاحتياج إليها دفعة واحدة، بل قد يظهر في زمن دون زمن؛ ارتباطًا بكثير من العوامل التي تؤثر في ذلك إيجادًا وعدمًا، ولذلك فإن النظام السياسي الإسلامي لم يعتن بإيجاد تلك التنظيمات قبل الحاجة إليها، في الوقت الذي يعمل على إيجادها كلما حدث ما يستوجب وجودها، وهذه التنظيمات الإدارية أو المرافق يدل عليها الشرع؛ إما بالدلالة المباشرة عليها، وإما بالدلالة على أصل ترجع إليه، وإما بالبراءة الأصلية التي تقتضي أن الأصل في المنافع الإباحة إلا ما منع منه الدليل، فمثلًا قد تكون الدولة صغيرة، كدولة المدينة المنورة في أول أمرها، ثم تتسع الدولة وتكبر بالفتح، فتحتاج حينئذ أن تُقسَّم إلى وحدات إدارية ليسهل ضبطها وإدارتها، ويستتبع هذا التقسيم وجود ولاة وقضاة وأئمة وشرطة لكل قسم من الأقسام، ويحتاج ذلك إلى تنظيم وترتيب لم تكن إليه حاجة من قبل التقسيم.
(1) - انظر في ذلك: (الشريعة الإلهية لا القوانين الجاهلية) ، د/عمر الأشقر، (الحكم بما أنزل الله) ، د/عبد الرحمن المحمود، (حكم الله وما ينافيه) ، د/ عبد العزيز العبد اللطيف، (إن الله هو الحكم) ، محمد بن شاكر الشريف.
(2) - انظر: أضواء البيان، للشيخ العلامة محمد الأمين الشنقيطي، تفسير قوله ـ تعالى ـ: {وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا} .