فهرس الكتاب

الصفحة 54 من 60

وعلى ذلك فإنه يستحيل القول بأن ما يبديه النواب في المسائل المعروضة في المجلس النيابي إنما هو تعبير عن إرادة الناخبين.

ب- ثم إنه من حيث تعدد الأحزاب الممثلة في المجلس النيابي لا تكون هناك إرادة واحدة، بل عدة إرادات متعارضات، وقد يكون الفارق في العدد بينها قليلًا، فأي تلك الإرادات يُعَدُّ معبِّرًا عن الإرادة الشعبية؟!

ج- والدستور وهو أعلى وثيقة قانونية في الدولة، وهو الذي يحدد المسؤوليات والاختصاصات، ويقسم السلطات، ويبين النظام السياسي والتوجه الاقتصادي وغير ذلك، المفترض فيه أنَّ وضعه على هذا النحو إنما جاء من قِبَل الإرادة الشعبية، وإذا صدق هذا على الدستور عند وضعه أول مرة ـ وإن كان لا يصدق في الحقيقة ـ فإن الدساتير تظل تحكم البلاد حتى بعد انقضاء الجيل الذي وضعها انقضاء تامًا، ومعنى هذا أن الأجيال اللاحقة تُحكم بإرادة شعبية لجيلٍ قد صار جيفًا تحت التراب.

د- قد يحدث أن يتم الرجوع إلى الشعب مباشرة لأخذ رأيه في موضوع ما عن طريق الاقتراع أو الاستفتاء، وهذا الرجوع ينافي تفويض الشعب للمجلس النيابي ليكون معبِّرًا عن الإرادة الشعبية، ثم إن هذا الرجوع رجوع صوري لا قيمة له حقيقة؛ إذ إن مشكلات الدولة الحديثة ذات تعقيدات كبيرة تحتاج إلى طابع فني تخصصي بالدرجة الأولى، ولا يتمكن الأفراد العاديون ـ وهم أغلبية الناخبين ـ من تقدير هذه الأمور تقديرًا حسنًا، أو فهمها فهمًا جيدًا، وعلى ذلك فإن موافقتهم عليها أو معارضتهم لها تُعَدُّ مجرد مسايرة للأمر السائد بين الناس، والذي يقوم الإعلام الموجّه بدور كبير في إيجاده، وبالتالي فليس هناك قدرة حقيقية على الاختيار الحر، وقد يحاولون التغلب على ذلك بأن تتم صياغة الاستفتاء أو الاقتراع على أشياء محددة شديدة العمومية من غير دخول في تفصيلات فنية، لكن لنا أن نقول: وما قيمة الموافقة أو المخالفة لمثل ذلك؟!

وبالنسبة لآلية الفصل بين السلطات فالملاحظ عليها عدة أمور:

1 ـ أن هذه الآلية إنما هي حل ضمن إطار المشكلة التي تعاني منها الأنظمة الوضعية جميعها؛ ألا وهي غياب المرجعية العليا خارج النطاق البشري.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت