2 ـ أن هذه الآلية إنما هي حل وقتي للمشكلة؛ لذا لم تبق على حالتها التي ظهرت عليها أول مرة، بل أخذت تتطور وتتنقل من صورة لأخرى.
3 ـ أن التطور الحاصل في الأنظمة السياسية المعاصرة؛ قد جعل هذه الآلية من مخلَّفات الفكر السياسي ولم يعد لها في الواقع إلا وجود شكلي ـ وإن كانت تظهر بشكل أوضح في النظام الرئاسي ـ، وأن كل الأنظمة المعاصرة تتجه الآن إلى جعل السلطة التنفيذية في موقع أعلى من السلطة التشريعية ـ رغم أنها المعبِّرة عن الإرادة الشعبية ـ، وهذا هو الواقع فـ «إذا كان مبدأ فصل السلطات يقضي لأول وهلة بأن يعمل البرلمان مستقلًا عن الحكومة؛ فإن حقائق الأشياء تبدو عند الفحص الدقيق في صورة مغايرة، فالحقيقة أن الحكومة (السلطة التنفيذية) تتحكم في عمل البرلمان (السلطة التشريعية) إلى حد كبير» [1] ، «وفي جميع أنحاء العالم تلعب الحكومة دورًا هامًا في تشكيل المجالس النيابية، سواء شُكِّلت هذه المجالس عن طريق الانتخاب الخالص أو عن طريق الجمع بين الانتخاب وبين التعيين» [2] ، ولم تستطع الأنظمة الديمقراطية التي تبنت هذه الآلية بصورة قوية (النظام الرئاسي) أن تستمر على ذلك، واضطرت في نهاية الأمر إلى إيجاد نوع من الاتصال والتعاون بين السلطتين [3] .
وبالنظر إلى النظام الانتخابي القائم على أن الفائز بالأغلبية في الانتخابات هو الذي يُشكِّل الحكومة (السلطة التنفيذية) ؛ فإننا نجد ـ والحالة هذه ـ أن أغلبية المجلس النيابي (السلطة التشريعية) والحكومة (السلطة التنفيذية) ينتميان إلى حزب واحد، وهنا لا يكون الفصل بين السلطات أكثر من مجرد حبر على ورق، فيكون أكثر هَمِّ نواب حزب الأغلبية الدفاع عن الحكومة وتصرفاتها، كما أن النواب في تشريعاتهم إنما يراعون توصيات الحكومة في ذلك، والتي يتم الاتفاق عليها في الاجتماعات في مقار الأحزاب، فالفصل هنا صوري إلى حد بعيد، وقد تعارض أحزاب المعارضة أو الأفراد المستقلون في المجلس، وقد تسأل وتستفسر لكن الأمور تُقضى في هذه المجالس بالأغلبية، وعند أخذ الأصوات؛ فإن الأغلبية ستعطي رأيها لحزبها انطلاقًا من مبدأ الالتزام
(1) - السلطات الثلاث، د/سليمان الطحاوي، (ص 585) .
(2) - المرجع السابق، (ص 580) .
(3) - المرجع السابق، (ص 524 ـ 528) .