الحزبي، وعلى ذلك فالمراقبة هنا شكلية إلى حدود بعيدة، والهدف المتوخى من الفصل بين السلطتين ـ وهو الحفاظ على حقوق وحريات المواطنين ـ يضيع باندماج السلطتين كما هو الواقع.
والسلطة يناظرها في الشرع لفظ «الولاية» ، فالسلطة القضائية يناظرها: ولاية القضاء، والسلطة التنفيذية يناظرها: الخلافة وما يتفرع عنها من ولايات، وليس في الإسلام سلطة تشريعية أي ولاية تشريعية، وبإخراج التشريع من البشر يُحافظ فعلًا على حقوق الشعوب وحرياتها، فمهما كان التشريع محققًا للإرادة الشعبية؛ فهو لم يخرج عن أن جعل الناس عبيدًا لمن وضع هذا التشريع، وأما التشريع في الإسلام فهو لله ربِّ العالمين، يحكم في خلقه بما يشاء، فهو خالقهم ورازقهم، وهو يحييهم ويميتهم ويحاسبهم، ولذلك فهو الذي يُشرّع لهم.
والإسلام فيه الاجتهاد المنضبط المعتمد على الأدلة الشرعية ـ تحقيقًا لعبودية الناس لرب العالمين دون ما سواه ـ والقدرة على الاجتهاد فضيلة من الفضائل؛ من اكتسبها بشروطها فهو من أهلها لا يُحجز عنها ولا يُمنع منها حاكمًا كان أو محكومًا، ومن لم يكن لذلك أهلًا حيل بينه وبين الاجتهاد، يستوي في ذلك المسلمون جميعهم.
والقضاء في الإسلام ولاية داخلة في صلاحيات الخليفة، فيجوز له أن يقضي ـ إذا كانت تتوفر فيه شروط القضاء وهو الأصل ـ، كما يجوز له أن يفوِّض أو ينيب غيره في ذلك ممن تتوفر فيهم شروطه، ومع أن القضاء ولاية تابعة للخليفة؛ لكنه لا يجوز له أن يقضي برأيه بل بما في الشريعة من أحكام، كما لا يجوز له التدخل في عمل القاضي الذي ينيبه في القضاء، فلا يحق له أن يلزمه بالقضاء بمذهب معين، ولا يحق له أن ينقض حكمه ولو خالف اجتهاد الخليفة ما دام أنه لم يخالف كتابًا أو سنّة أو إجماعًا، ولا يحق له أن يعزله عن القضاء إلا بسبب يستوجب العزل، ولذلك اتفق أهل العلم على أن الإمام لو ولَّى قاضيًا القضاء بشرط أن يقضي بمذهب معين؛ فإن هذا الشرط باطل لا يجب الوفاء به، وفي فساد تلك التولية وجهان:
وجه يقول: الشرط باطل والولاية غير صحيحة.