وقد عرف أهل العلم هذا المنصب الجليل، فقال الماوردي: «الإمامة موضوعة لخلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا» [1] ، وقال إمام الحرمين: «الإمامة: رياسة تامة وزعامة عامة تتعلق بالخاصة والعامة في مهمات الدين والدنيا» [2] . «وكلام سائر علماء العقائد والفقهاء من جميع مذاهب أهل السنّة لا يخرج عن هذا المعنى» [3] . ومن هذه التعاريف يتبين أن الخلافة تجمع بين الدين وسياسة الدنيا، ولا تفصل بينهما كما هو الحال في الأنظمة الديمقراطية المعاصرة، وعقد الخلافة لمن يقوم بها في الأمة ممن استوفى شروطها واجب بالإجماع [4] .
وقد ذكر أهل العلم الشروط التي ينبغي أن تتوافر في الخليفة، وهي ـ كما ذكرها الماوردي ـ: «الشروط المعتبرة فيهم سبعة: أحدها: العدالة على شروطها الجامعة، والثانية: العلم المؤدي إلى الاجتهاد في النوازل والأحكام، والثالث: سلامة الحواس من السمع والبصر واللسان ليصح معها مباشرة ما يدرك بها، والرابع: سلامة الأعضاء من نقص يمنع من استيفاء الحركة وسرعة النهوض، والخامس: الرأي المفضي إلى سياسة الرعية وتدبير المصالح، والسادس: الشجاعة والنجدة المؤدية إلى حماية البيضة وجهاد العدو، والسابع: النسب، وهو أن يكون من قريش لورود النص فيه وانعقاد الإجماع عليه» [5] ، وهي شروط متفق عليها في الجملة بين أهل العلم، وإن كان بعضهم يُعبِّر بألفاظ مختلفة لكنها تحمل المضمون المتقدم نفسه [6] ، وهذه الشروط المتقدمة إنما هي شرط استحقاق المنصب، وأما تولي المنصب فيضاف له شرط آخر، وهو الموافقة عليه واختياره من أهل الاختيار [7] .
(1) - الأحكام السلطانية، (ص 7) .
(2) - غياث الأمم، (ص 15) .
(3) - الخلافة، الشيخ محمد رشيد رضا، (ص 14) .
(4) - وقد حكى الإجماع غير واحد من أهل العلم، منهم الماوردي في الأحكام السلطانية، (ص 7) ، وابن حزم في كتاب الفصل في الملل والأهواء والنحل، (4/ 87) ، وابن خلدون في المقدمة، (ص 210) ، وغيرهم.
(5) - الأحكام السلطانية، (ص 8) .
(6) - وهناك خلاف يسير لا يضر في بعض أفراد الشرط الثالث والرابع؛ نظرًا لأن الحواس والأعضاء قد تفقد كليًا وقد تفقد جزئيًا، والجزء المفقود قد يكون كبيرًا وقد يكون صغيرًا، انظر في تفصيل ذلك: غياث الأمم، (ص 60 ـ 69) .
(7) - يقول الماوردي: «وذهب جمهور الفقهاء والمتكلمين إلى أن إمامته لا تنعقد إلا بالرضا والاختيار» ، الأحكام السلطانية، (ص 10) ، ويقول الشيخ عبد الوهاب خلاف: «ومن استجمع الشروط المتفق عليها لا يصير إمامًا له على الناس حق الطاعة إلا إذا بايعه أهل الحل والعقد» ، السياسة الشرعية، (ص 57) .