فهرس الكتاب

الصفحة 52 من 60

وهناك عديد من الآليات التي يتبعها الفكر الديمقراطي لتحقيق هذه التصورات، والشورى مخالفة للديمقراطية في أصلها وفي آلياتها، فالشورى مسألة من مسائل الشريعة، والشريعة كلها مبنية على أساس توحيد الله وعبادته وحده وعدم الإشراك به، وأن الكتاب والسنّة هما الأصل والعصام اللذان يُرجع إليهما في الأمر والنهي والإيجاب والتحليل والتحريم والتصحيح والإبطال والجزاء وفي كل شيء، فالدين قائم على رجوع المسلم في كل شيء لكتاب الله ـ سبحانه وتعالى ـ وسنّة رسوله صلى الله عليه وسلم، والتي هي أيضًا مما أوحاه الله تعالى.

وبالمقابلة يتبين أن الديمقراطية كفرت بالله ربِّ العالمين آمرًا ناهيًا في شؤون المجتمع وإن لم تكفر به خالقًا رازقًا، وآمنت بالشعب ربًّا يُشَرّع فيأمر وينهى ويضع القوانين والتنظيمات حسب تصوراته الذهنية ومعارفه وخبراته، وهذه مسألة لا تمثل عند الديمقراطيين الحقيقيين سبًّا ولا هجاءً؛ إنما هي الحقيقة التي يقرُّون بها ويعترفون، فالديمقراطية تقيم نظامًا سياسيًا علمانيًا: «فالديمقراطي يمكن أن يكون بروتستانتيًا أو يهوديًا، ملحدًا أو مؤمنًا، ففيما يتعلق بالدين يمكن القول إن الديمقراطية مذهب محايد يتمثل في مجموعة من المعتقدات العلمانية الصرفة، فالمفهومات الديمقراطية لا ترتبط بالبواعث الدينية أو المضادة للدين، وأي نزاع بين الدين والسياسة الديمقراطية يمكن أن يحدث فقط عند إقحام التعاليم الدينية في الشؤون السياسية .. والديمقراطي ـ نظرًا لمعتقداته السياسية ـ لا يقبل ولا يرفض أي تعاليم دينية» [1] . وأما من حيث الآليات فقد عمد الفكر الديمقراطي إلى الفصل بين السلطات الثلاث (التشريعية - التنفيذية - القضائية) ، وذلك منعًا للفساد السياسي أو الاستبداد، وللحفاط على حقوق الناس وعدم تعريض حرياتهم للخطر.

وأما الآلية المعتمدة للوصول إلى الحكم؛ فقد اعتمد الفكر الديمقراطي على النظام النيابي القائم على تعدد الأحزاب، حيث يرشح الأفراد أنفسهم أو ترشحهم الأحزاب التي ينتمون إليها، ويتقدمون للشعب عارضين أفكارهم ورؤاهم طالبين من الشعب أن يمنحهم موافقتهم، وتعد الأحزاب الحائزة على أغلبية موافقة الشعب هي الأحزاب المعبِّرة عن الإرادة الشعبية، وهي المخوَّلة حق ممارسة السيادة لأنها تمثل صاحب السيادة.

(1) - الديمقراطية النظريات المعاصرة، م. ريجاي، (ص 237) ؛ نقلًا عن (نقض الجذور الفكرية للديمقراطية الغربية) ، د/محمد أحمد مفتي، (ص 24) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت