والسياسة نوعان: سياسة عقلية؛ يكون تدبير مصالح الرعية فيها موكولًا إلى العقل البشري، وتُسمّى أيضًا سياسة مدنية. وسياسة شرعية؛ يكون تدبير مصالح العباد فيها بمقتضى النصوص الشرعية، وبما دلت عليه أو أرشدت إليه، أو استنبطه العقل البشري مما يحقق مقاصد الشريعة [1] .
وقد استخدم الفقهاء لفظ «السياسة» في مصنفاتهم وأرادوا منها عدة معان:
1 ـ الأحكام الشرعية المتعلقة بأداء الأمانات في الولايات والأموال، والحكم بالعدل في حدود الله وحقوقه، وفي حقوق الآدميين [2] .
2 ـ ما يسنّه ولاة الأمر مجتهدين فيه ـ من الأمور التي تكون الرعيَّة معه أقرب إلى الصلاح وأبعد عن الفساد، وإن لم يرد بذلك نص ما دام أنه يحقق المقاصد الشرعية، ولا يخالف أدلة الشرع التفصيلية [3] ، وهو ما يعني العمل بالمصالح المرسلة.
3 ـ التعزيز والزجر والتأديب [4] .
ونخلص من كل ما تقدم إلى أن السياسة كلمة يدخل تحتها ـ في اصطلاح علماء الإسلام ـ مجموعة من الأحكام الشرعية، سواء منها ما يثبت بدليل خاص أو باجتهاد، يؤدي العمل بها إلى جلب الخير والصلاح لجماعة المسلمين وإلى دفع الشر والفساد عنهم، ولم تكن تعني الاقتصار على الأحكام المتعلقة بالدولة الإسلامية؛ من حيث شكل الدولة أو نوعها أو طبيعة السلطة فيها
(1) - انظر: مقدمة ابن خلدون، (ص 170) ، طبعة دار الشعب، بدون تاريخ، مصر.
(2) - انظر: مجموع الفتاوى لابن تيمية، (28/ 24 ـ 245) ، رسالة (السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية) .
(3) - انظر: إعلام الموقعين عن رب العالمين، لابن القيم، (4/ 372) ، تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد، المكتبة العصرية ـ صيدا، لبنان.
(4) - انظر: معين الحكام فيما يتردد بين الخصمين من الأحكام، لعلاء الدين الطرابلسي، (ص 169) ، وما بعدها، وانظر: أيضًا حاشية ابن عابدين، (4/ 15) .