فهرس الكتاب
الوصية واجبة على النَّاس، وأن ذلك الحكم لم يُنسخ، وفيه بُعد.
ثم إن ابن أبي أوفى غَفَل عمَّا أوصى به النبيّ -صلى الله عليه وسلم-، وهي وصايا كثيرة؛ فمنها: أنه قال: "لا يقتسم ورثتي دينارًا ولا درهمًا" ، رواه مسلم، و "لا نورث، ما تركنا صدقة" ، متّفقٌ عليه، وقال عند موته: "لا يبقين دينان بجزيرة العرب، وأخرجوا المشركين منها، وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم" ، رواه مالك في الموطإ، وكان من آخر ما وصَّى به -وهو ما يفيض- أن قال: "الصلاة وما ملكت أيمانكم" ، وهذه كلها وصايا منه -صلى الله عليه وسلم-، ذَهِل ابن أبي أوفى عنها.
وذكر ابن إسحاق: أن النبيّ -صلى الله عليه وسلم- أوصى عند موته لجماعة من قبائل العرب بجِدَاد أوساقٍ من تمر سهمه بخيبر، ذكره في "السيرة" ، ولم يذكر ابن أبي أوفى من جملة ما وصَّى به النبيّ -صلى الله عليه وسلم- إلا كتابَ الله، إمَّا ذهولًا، وإما اقتصارًا عليه؛ لأنه أعظمُ، وأهمُّ من كل ما وصَّى به، وأيضًا: فإذا استوصى النَّاس بكتاب الله، فعملوا به قاموا بكل ما أوصى به، والله تعالى أعلم. انتهى (١) .
(قُلْتُ: فَلِمَ كُتِبَ) بالبناء للمفعول؛ أي: كيف أوجب الله تعالى (عَلَى الْمُسْلِمِينَ الْوَصِيَّةُ؟) بالرفع على أنه نائب فاعل "كُتب" ، قال النوويّ: "مراد السائل بقوله: " فلم كُتب … إلخ " قوله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ} الآية [البقرة: ١٨٠] ، وهذه الآية منسوخة عند الجمهور، ويَحْتَمِل أن السائل أراد بكتب الوصيّة الندب إليها" ، والله أعلم (٢) .
(أَوْ فَلِمَ أُمِرُوا بِالْوَصِيَّةِ؟) لفظ البخاريّ: "كيف كُتب على الناس الوصيّة؟ أو قال: كيف أُمروا بها؟ " .
فأو: للشكّ من الراوي، هل قال: كيف كُتب على المسلمين الوصية، أو قال: فلِمَ أمروا بالوصيّة؟ زاد البخاريّ في "فضائل القرآن": "ولم يوص" ، وبذلك يتمّ الاعتراض؛ أي: كيف يؤمر المسلمون بشيء، ولا يفعله النبيّ -صلى الله عليه وسلم-؟.
قال النوويّ رحمه الله: لعل ابن أبي أوفى أراد لم يوص بثلث ماله، ولا