2 -(وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ [1] .
وجْهُ الاستِدلالِ: أنَّ الجِهَادَ لو كانَ فَرضًا عَينيًَّا عَلَى كُلِّ مُسلِمٍ، لما رخَّصَ اللهُ لنَفَرٍ مِن المؤمِنينَ أنْ يَبقَوا لِيَطلُبوا العِلمَ ويَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ، فدَلَّ عَلَى أنَّهُ ليسَ فرضًَا عَلَى الأعيَانِ.
قَالَ القُرطُبِيُّ - رحمه الله:"هيَ أنَّ الجِهَادَ ليسَ عَلَى الأعيَانِ وأنَّهُ فَرضُ كِفَايَةٍ كَمَا تَقَدَّمَ، إذْ لوْ نَفَرَ الكُلُّ لضَاعَ مَنْ ورَاءَهم مِن العِيَالِ، فليَخرُج فَرِيقٌ مِنهُم للجِهَادِ، وليَقُم فَرِيقٍ يَتفَقَّهونَ في الدِّينِ ويَحفَظُونَ الحَرِيمَ، حتَّى إذا عَادَ النَّافِرونَ أعلَمَهُم المُقِيمُونَ مَا تَعلَّمُوهُ مِنْ أحكَامِ الشَّرعِ، ومَا تجدَّدَ نُزُولُهُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ" [2] .
3 -مَا جَاءَ في الصَّحِيحَينِ مِن حَدِيثِ ابنِ عَبَّاسٍ - رضي الله عنهما - أنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ يَومَ فَتحِ مَكَّةَ:
(( لاَ هِجْرَةَ وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ، وَإِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا ) ) [3] .
قَالَ النَّوَوِيُّ - رحمه الله:"وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْجِهَاد لَيْسَ فَرْضَ عَيْنٍ" [4] .
4 -قُعُودُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وبَعضِ الصَّحَابَةِ عن بَعضِ الغَزَوَاتِ أو السَّرَايَا، إذْ لو كانَ الجِهَادُ فَرضًَا عَينِيًَّا لممَا قَعَدَ عَن الغَزوِ، ولما أَذِنَ لبَعضِ أصحَابِهِ في القُعُودِ عَن الجِهَادِ [5] .
كَمَا أنَّ في فَرضِهِ عَلَى المسلِمِينَ أعيانِهِم مَشقَّةً عَليهِم، وتَعطِيلًا وتَفوِيتًا لكَثِيرٍ مِن مَصَالِحِهِم [6] .
-وحُكِيَ في حُكمِ الجِهَادِ قَولانِ آخَرانِ:
1 -هوَ فَرضُ عَينٍ، ورُويَ عَن سَعِيدٍ بنِ المُسيَّبِ [7] ، وفَهِمَهُ بَعضُ الصَّحَابِةِ مِن قَولِهِ تَعالى: (انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ [8] ، وقولِهِ تَعَالى: (إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا
(1) التوبة (122) .
(2) تفسير القرطبي (8/ 293) .
(3) صحيح البخاري (1834 - 2783 - 2825 - 3077 - 3189) ، صحيح مسلم (3368 - 4936) .
(4) شرح صحيح مسلم (6/ 335) .
(5) المبسوط (10/ 4) .
(6) تفسير السعدي (355) .
(7) انظر: تفسير الطبري (4/ 297) .
(8) انظر: فتح الباري، ابن حجر (6/ 38) .