تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [1] ، فلَمْ يَكونوا يَتخلَّفونَ عن الغَزوِ، ومِنهُم أبو أيُّوبٍ الأنصَاريِّ والمِقدَادُ ابنِ الأسوَدِ [2] .
وهذا القَولُ جَائزٌ أنْ يَكونَ خَاصًَّا، فيَكونُ المرادُ به: مَنْ استنفرَه رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فلم يَنفِرْ [3] ، أو يُحمَلُ على استِنفَارِ الإمَامِ، أو دَفعِ العَدوِّ عن بِلادِ المسلِمينَ.
2 -هُوَ تَطَوُّعٌ، ورُويَ عَن: عَبدِ اللهِ بنِ عُمَرَ، وعبدِ اللهِ بنِ شُبرُمَةَ، وسُفيَانُ الثَّورِيُّ، وعَطاءَ، وعَمرو بنَ دِينَارٍ [4] .
قلتُ: ولعلَّهُ يُحمَلُ عَلَى عَدمِ الوجوبِ، أي: أنَّهُ ليسَ فَرضَ عَينٍ عَلَى كُلِّ مُسلِمٍ [5] ، وإنما هو كفائيٌّ مَطلوبٌ مِن مَجمُوعِهِم بِقَدرِ الكِفَايَةِ.
ومما يؤيِّدُ ذلك: قَولُ سُفيَانَ الثَّورِيِّ:"ليسَ بِفَرضٍ، ولكنْ لا يَسعُ النَّاسَ أنْ يُجمِعُوا عَلَى تَركِهِ ويُجزِئ فِيهِ بعضُهُم عَلَى بَعضٍ" [6] .
كَمَا أنَّ العُلَمَاءَ المُحقِّقينَ أمثَالَ ابنِ قُدَامةَ وابنِ القَيِّمِ وغيرِهِمَا، لم يَذكُروا أو يُشِيروا في كَلامِهِم عَن حُكمِ الجِهَادِ الطَّلَبِيِّ إلى غَيرِ الفَرضِيَّةِ، مَعَ أنَّ المَشهُورَ والمُعتَادَ عَنهم التَّوسُّعُ في ذِكرِ الأقوَالِ، ممَّا يَدلُّ عَلَى أنَّهُ لم يَصِحّ عِندَهم مَا نُسِبَ إلى ابنِ عُمرَ وغَيرِه، أو أنَّهم لم يَفهَمُوا عَنهم سِوى الفَرضِيَّةِ الكِفَائيَّةِ [7] .
-كمْ مَرةً يجبُ قِتالُ الكفارِ:
1 -الجمهورُ: يَجِبُ في كُلِّ سَنةٍ مَرَّةٍ [8] ، لأنَّه بَدَلٌ عن الجِزيَةِ، والجِزيَةُ لا تَجبُ إلّا مرَّةً واحِدَةً في العامِ.
إلا أنْ تَدعُو الحَاجَةُ إليهِ أكثَرَ مِن مَرَّةٍ فيَجِبُ، وكَذَا إنْ دَعَتْ الحَاجَةُ إلى تَأخِيرِهِ لضَعْفِ المُسلِمِينَ ونحوِهِ مِنْ الأعذَارِ؛ جَازَ تَأخِيرُهُ [9] .
(1) التوبة (38) .
(2) انظر: فتح الباري (6/ 38) .
(3) تفسير الطبري (14/ 256) .
(4) المجموع، النووي (19/ 268) .
(5) قال صاحب فتح القدير بعد أن ساق أدلة فرضية الجهاد:"وبهذه ينتفي ما نقل عن الثوري وغيره أنه ليس بفرض .. ويجب حمله إن صح على أنه ليس بفرض عين" (5/ 437) .
وقال الجصاص في تفسيره بعد أن ذكر مذهب ابن عمر في ذلك:"وإن الرواية التي رويت عنه في نفى فرض الجهاد، إنما هي على الوجه الذي ذكرنا من أنه غير متعين على كل حال في"
كل زمان"تفسير الجصاص (4/ 315) ."
وقال ابن عطية الأندلسي بعد ذكره:"وهذه العبارة عندي إنما هي على سؤال سائل، وقد قيم بالجهاد". المحرر الوجيز (189) .
(6) الناسخ والمنسوخ، ابن سلام (326) .
(7) (( أحكام الجهاد، يوسف العييري(5) .
(8) الأم (4/ 168) ، المغني (13/ 10) .
(9) انظر: المجموع، النووي (19/ 266 - 267) .