قالَ بَدرُ الدِّينِ العَيْنِيُّ - رحمه الله:"حَدِيثُ ابنِ عُمَرٍ دَالٌّ عَلَى أنَّ للمُسلِمِينَ أنْ يَكِيدُوا عَدوَّهَم مِن المُشرِكِينَ بِكُلِّ مَا فيه تَضعِيفُ شَوكَتِهِم، وتَوهِينُ كَيدِهِم، وتَسهِيلُ الوُصُولِ إلى الظَّفَرِ بِهِم، مِنْ قَطْعِ ثِمَارِهَا، وتَغْوِيرِ مِيَاهِهِم، والتَّضْيِيقِ عَليْهِم بالحِصَارِ" [1] .
3 -أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَهِدَ إِلَى أُسَامَةَ، فَقَالَ له: (( أَغِرْ عَلَى أُبْنَى صَبَاحًا وَحَرِّقْ ) ) [2] .
4 -ولأنَّه دَاخِلٌ في بَابِ القِتَالِ، حيثُ فيه كَبْتٌ وقَهرٌ وإغَاظَةٌ للعَدوِّ، وهوَ مِن الجِهَادِ.
5 -ولأنَّ حُرمَةَ الأمَوَالِ لحُرمَةِ أربَابِهَا، فإذا ذهبَتْ حُرمَتُهُم فمِنْ بابِ أولى أنْ تَذهبَ حُرمَةُ أموَالِهِم [3] .
ب- كَرَاهِيَةُ تَحرِيقِهِ وتَخْرِيبِهِ، وهوَ قَولُ: الأوزَاعِيُّ، والليْثُ، وأبو ثَوْرٍ [4] ، ورِوايَةٌ عِندَ الحَنَابِلَةِ [5] .
واستَدلُّوا: بِوَصِيَّةِ أبي بَكرٍ الصِّدِّيقِ - رضي الله عنه - ليَزيدَ بنَ أبي سُفيَانَ حينَ بَعَثَهُ إلى الشَّامِ، فقال:"لاَ تَقْتَلَنَّ امْرَأَةً وَلاَ صَبِيًّا وَلاَ كَبِيرًا هَرِمًا، وَلاَ تَقْطَعَنَّ شَجَرًا مُثْمِرًا، وَلاَ تُخَرِّبَنَّ عَامِرًا، وَلاَ تَعْقِرَنَّ شَاةً، وَلاَ بَعِيرًا إِلاَّ لِمَاكَلَةٍ، وَلاَ تُحْرِقَنَّ نَحْلًا وَلاَ تُغْرِقَنَّهُ، وَلاَ تَغْلُلُ، وَلاَ تَجْبُنْ" [6] .
ونُوقِشَ: بأنَّهُ أوصَى بِذَلِكَ؛ لأنَّهُ رأى المَصلَحَةِ في بَقَائهَا، لِعِلمِهِ بأنَّها سَتَصِيرُ للمُسلِمِينَ، فأرادَ إبقَاءَهَا لَهُم، ليَنتَفِعُوا بِهَا [7] ، فلا تعارِضُ بين وصيَّتِه والنَّصوصِ السَابقةِ.
قَالَ الشَّافِعِيُّ - رحمه الله:"لأنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَذْكُرُ فَتْحَ الشَّامِ، فَكَانَ على يَقِينٍ مِنْهُ، فَأَمَرَ بِتَرْكِ تَخْرِيبِ الْعَامِرِ، وَقَطْعِ الْمُثْمِرِ، لِيَكُونَ لِلْمُسْلِمِينَ، لاَ لأَنَّهُ رَآهُ مُحَرَّمًا؛ لأَنَّهُ قد حَضَرَ مع النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم تَحْرِيقَهُ بِالنَّضِيرِ وَخَيْبَرَ وَالطَّائِفِ، فَلَعَلَّهُمْ أَنْزَلُوهُ على غَيْرِ ما أَنْزَلَهُ عليه، وَالْحُجَّةُ فِيمَا أَنْزَلَ اللَّهُ عز وجل في صَنِيعِ رسول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم" [8] .
فيَظهَرُ - واللهُ أعلَمُ - رجحانُ مَا ذَهبَ إليه الجُمهورُ من القول بالجواز؛ وذَلِك لَقُوَّةِ استِدلالاتِهِم، ولأنَّ إغَاظَةَ أعدَاءِ الله - بالنَّيْلِ مِنهُم وبإتلافِ أموالِهِم وممتَلَكَاتِهِم - عِبَادةٌ يُوجَرُ عليها المُجاهِدونَ، بدليلِ قولِهِ تعالى: (وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ [9] .
(1) عمدة القاري، العيني (22/ 79) .
(2) سنن أبي داود (2616) .
(3) بدائع الصنائع (15/ 281) .
(4) انظر: المبسوط، السرخسي (10/ 52) . المغني (13/ 146) .
(5) المغني (13/ 146) .
(6) رواه مالك في الموطأ (965) .
(7) انظر: فتح الباري، ابن حجر (6/ 155) ؛ سبل السلام، الصنعاني (7 - 8/ 222) .
(8) الأم (4/ 258) .
(9) التوبة (120) .