فهرس الكتاب

الصفحة 105 من 444

الثاني: أن هذا الفعل ليس حجة على محل النزاع سواء كان مشروعًا أو لم يكن، فإن هذا استنزال للغيث على قبره، والله -تعالى- ينزل رحمته على قبور أنبيائه وعباده الصالحين، وليس في ذلك سؤال لهم بعد موتهم ولا طلب ولا استغاثة بهم، والاستغاثة بالميت والغائب سواء كان نبيًا أو وليًا ليس مشروعًا ولا هو من صالح الأعمال، إذ لو كان مشروعًا أو حسنًا من العمل لكانوا به أعلم وإليه أسبق، ولم يصح عن أحد من السلف أنه فعل ذلك.

ومما يبيّن كذب هذا أنه في مدة حياة عائشة لم يكن للبيت كوة بل كان بعضه باقيًا كما كان على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم: بعضه مسقوف وبعضه مكشوف، وكانت الشمس تنزل فيه، كما ثبت في الصحيحين عن عائشة:"أن النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي العصر والشمس في حجرتها لم يظهر الفيء بعد" [1] .

ولم تزل الحجر كذلك حتى زاد الوليد بن عبد الملك في المسجد في إمارته لما زاد الحجر في مسجد الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وكان نائبه على المدينة ابن عمه عمر بن عبد العزيز وكانت حجر أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - شرقي المسجد وقبليَّه، فأمره أن يشتريها من ملاكها ورثة أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - فاشتراها وأدخلها في المسجد، فزاد في قبلي المسجد وشرقيه، ومن حينئذٍ دخلت الحجرة النبوية في المسجد، وإلا فهي قبل ذلك كانت خارجة عن المسجد في حياة النبي - صلى الله عليه وسلم - وبعد موته، ثم إنه بنى حول حجرة عائشة التي فيها القبر جدار عال، وبعد ذلك جعلت الكوة لينزل منها من ينزل إذا احتيج إلى ذلك من أجل كنس أو تنظيف.

ولو صح ذلك لكان حجة ودليلًا على أن القوم لم يكونوا يُقسمون على الله بمخلوق ولا يتوسلون في دعائهم بميت ولا يسألون الله به، وإنما فتحوا على القبر لتنزل الرحمة عليه ولم يكن هناك دعاء يقسمون به عليه، فأين هذا من هذا؟! والمخلوق إنما ينفع المخلوق بدعائه أو بعمله، فإن الله -تعالى- يحب أن نتوسل إليه بالإيمان والعمل والصلاة السلام على نبيه - صلى الله عليه وسلم - ومحبته وطاعته وموالاته، فهذه الأمور التي يحب الله أن نتوسل بها إليه، وإن أريد أن نتوسل إليه بما تُحب ذاته وإن لم يكن هناك ما يحب الله أن نتوسل به من الإيمان والعمل الصالح فهذا باطل عقلًا وشرعًا، أما عقلًا فلأنه ليس في كون

(1) سيأتي تخريجه في ص 266.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت