الصفحة 70 من 82

أولها، أن القرار كشف عن تباين في الرأي داخل الجماعة وصل إلى حد الانقسام. إذ بحسب المعلومات المتوفرة فإن قرار الترشيح تَطلب عقد ثلاث جلسات لمجلس شورى الجماعة نجم عنها معارضة 81 عضوا لقرار الترشيح في الاجتماع الأول ثم 61 في الاجتماع الثاني إلى أن صدر بموافقة 56 صوتا مقابل 52 صوتا معارضا، بل أن بعض الأرقام تتحدث عن 13 مؤيدا فقط مقابل 52 رافضا للقرار. ولا ريب أن القرار لم يكن ليمر لولا مساومات وابتزازات داخل الجماعة تسببت في استقالات لشخصيات بارزة داخلها مثل كمال الهلباوي أو انتقادات حادة من المرشد السابق، مهدي عاكف، ونائبه د. محمد حبيب.

والأكيد أن المعارضة الشديدة للقرار جعلت من مبررات الجماعة أوهي من بيت العنكبوت، خاصة أن البعض اقترح حل الإشكال بإعادة الاعتبار للدكتور عبد المنعم أبو الفتوح أو دعم الشيخ حازم أبو صلاح أو إحالة الأمر لكل عضو أن يختار ما يناسبه من المرشحين. لكن الأدهى هو أن التبريرات، «غير المقنعة» للكثير، تسببت بوصف الجماعة بـ «الكذب» . وقد بدا هذا أوضح ما يكون في تصريح المرشد العام خلال افتتاحه مركزا ثقافيا للجماعة في بني سويف (27/ 3/2012) ، حين قال: «أن قرار الجماعة من الترشح للرئاسة مؤسسي يتخذه مجلس شورى الجماعة، وأن الجماعة ما زالت حتى الآن على قرارها الأول في أنها لن ترشح أحدًا للرئاسة، وأنها كانت صادقةً وما زالت وستظل، والأمر قد يحتاج إلى إعادة النظر إذا وُجد شيء يُهدد مصر» . إذ أن التصريح نشر على موقع الجماعة في 29/ 3/2012 على الساعة 10.27 مساء!!!!!؟

فالثابت أن الظروف الإقليمية والدولية والمحلية لا يمكن لها أن تتغير في أقل من 24 ساعة، وأن مصر لم تتعرض للتهديد بين عشية وضحاها، وأن ترشيح «الشاطر» لن يزيل التهديد في ساعات قليلة من عمر الأمم؟ وأن اجتماعات الجماعة الثلاثة لم تقع في أقل من 24 ساعة. فإنْ لم يكن هذا من «الكذب» فهو على الأقل لا يمكن أن يكون من «الصدق» بقدر ما بدا أقرب إلى «الخداع» الصريح بل وحتى «الغدر والإخلاف بالوعد» ، واعتبار التصويت له «إثما» ، كما جاء في بيان الشيخ عبد الرحمن عبد الخالق، تعقيبا على ترشيح «الشاطر» وليس على تصريح المرشد.

وثانيها، أن القرار سيتسبب في تفتيت خطير للأصوات. إذ بعيدا عن المبررات الفهلوية واللف والدوران، فإن ترشيح «الشاطر» سيعني قطعا خلطا للأوراق، وإعادة لتوزيع الكتلة التصويتية على خمسة منافسين محسوبين على التيار الإسلامي بدلا من أربعة، أو على ثلاثة بدلا من اثنين، أو على اثنين بدلا من واحد. بل أن ترشيح «الشاطر» جاء بمثابة ضخ الدم في العروق الجافة للقوى العلمانية واللبرالية، التي كانت تلملم عفشها، فإذا بها تتلقى فرصة ذهبية، أكثر من أي وقت مضى، لخوض المنافسة وحتى الفوز بمنصب الرئاسة.

وثالثها، (وهو الأهم) أن القرار وضع «مصداقية» الجماعة و «ثقة» الناس بها في ميزان القبّان الثقيل، حيث كانت مواقفها السابقة توزن بالمحصلة، لكنها اليوم صارت توزن بالتفاصيل، إنْ لم يكن بميزان الذهب. ولعل أخطر ما في القرار أنه أخرج مصداقية الجماعة من اهتمام الخاصة ليضعها، بين عشية وضحاها، تحت مجهر العامة من الناس. وصار ما كانت تعتبره الجماعة وفروعها، طوال عقود، مجرد إشاعات أو حملات مغرضة أو تشويه، من شأن العامة واهتماماتهم وليس من شأن المراقبين والمتخصصين والخصوم. ومما لا يخفى على الجماعة أن الناس في حالة ثورة شعبية وطوارئ عقلية ويقظة وتأهب، وليسوا في حالة سكون بحيث يمكن للقرار أن يمر القرار في لحظة غفلة. وهي حالة يمارس الناس فيها رقابة على أدق التفاصيل. فما الذي جنته الجماعة من استحضار العامة لتاريخ «الإخوان» في العالم، وكذا لتحالفاتهم ومواقفهم السياسية والشرعية في النوازل الكبرى، بدء من ثورة يوليو 1952 مرورا بسوريا والجزائر وأفغانستان والعراق وغزة واليمن وتونس والمغرب ... ؟ وما الذي كسبته من استدعاء النقمة الشعبية عليها، وسط قناعة بأن «الإخوان» أثبتوا بأنهم طلاب سلطة بامتياز ثوري؟

ما من مكسب يذكر حققته الجماعة في هذا «التوقيت» ، إلا التضحية برجل يحظى باحترام الناس، وينظر إليه الكثير على أنه الرصيد الأخلاقي للجماعة، فضلا عن الشهادة بكفاءاته الإدارية والاقتصادية. فلماذا لجأت الجماعة إلى حرق الرجل مبكرا، وبلا أية فائدة؟ سؤال لم يجد له الكثير إجابة إلا الشك في كون الجماعة تخفي أمرا ما بقرارها المفاجئ، خاصة في الوقت الذي بدا فيه الشيخ حازم صلاح صاعدا نحو كرسي الرئاسة بسرعة مذهلة؟ وهو صعود صب في حساب المشروع الإسلامي برمته أكثر مما صب في حساب الشيخ حازم. بل أن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت