ترشيح «الشاطر» وضع علامات استفهام كبيرة حول نوايا الجماعة وحقيقة مواقفها وأهدافها، بنفس القدر الذي وضع علامات استفهام على قدرتها في توفير الشروط التي تسمح للشاطر بالفوز بانتخابات الرئاسة، إذ ماذا لو فشل «الشاطر» الذي لا تعرفه العامة كما تعرف أبو صلاح؟ تساؤل مقلق ولو من باب الاحتمال في مثل هذه العواصف التي تجتاح البلاد.
فالشيخ حازم، الذي يقول أنه خرج من دواليب الدولة والمجتمع بفعل عمله في سلك المحاماة، دفع ثمن ترشحه طوال عام كامل من المساءلات الشديدة والمحرجة، وإلى اختبارات كفاءة وتأهيل ومصداقية وثقة، من جميع القوى الاجتماعية وتشكيلاتها الحضرية والريفية والبدوية، كما تعرض لاختبارات ومساءلات مغرضة من شتى وسائل الإعلام، ومساءلات من المثقفين والطلبة، وكذا أشد منها من العلماء والطوائف والقوى السياسية، واختبارات أخرى من قوى الثورة، وكافة الخصوم، وحتى من أفراد المجتمع. وقدم لكل هؤلاء كشف حساب عن أدق التفاصيل، حول رؤاه الدقيقة والشاملة فيما يتعلق بالاقتصاد والزراعة والتجارة والسياسة والإدارة والحقوق والمجتمع والاستراتيجيا. كما قدم لغة عبرت عن ضمير العامة، وقاد حملة إعلامية مولها من ماله الخاص، ومن جيوب مناصريه والمتطوعين دون أن يعد أيا منهم بشيء خاص. وكان أسرع من حصل على تأييد نحو 50 نائبا في مجلس الشعب، وتلقى أكثر من 160 توكيلا، بما لم يستطيع أي مرشح أن يحصل على ما يكفيه منها، فضلا عن تزكية العلماء له. وجرفت شعبيته الشارع بمختلف تلاوينه، واستقرت مكانته لدى الفرد كما لو أنه ملكية خاصة لكل مواطن. وهو ما جعله مؤهلا لِأن يكون أقوى المرشحين للفوز بمنصب الرئاسة من الجولة الأولى.
لو أخذنا كل هذه المساءلات والاختبارات كمؤشرات للتقييم فإن الجماعة هي المؤشر الوحيد الذي سيحظى به رجل تم ترشيحه في اللحظات الأخيرة، وسط شقاقات واختلافات عميقة، ودون أية مساءلة أو اختبار من أية جهة كانت!!!! والطريف أن الجماعة لم تجد ما ترد به على الانتقادات إلا أن يكون «الشاطر» ، بحسب المرشد، رجلا «مستجاب الدعوة» ، أو لأنه، بخلاف المرشد، «الأكفأ» لدى آخرين!!! بما يكفي لبعض مؤيدي «الإخوان» ومحبيه أن يطالبوا أنصار الشيخ حازم بدعوته إلى التنازل لـ «الشاطر» ، وانتزاع جهد الشيخ والشارع بلا أدنى جهد!!!!!!؟ أما لماذا؟ فلكي لا تتفتت الأصوات!!! وكأن العامة والخاصة رعايا للجماعة، وكل ما عليهم أن يتراجعوا حين تتقدم، وأن يسمعوا ويطيعوا، ويتقوا دعوة «الشاطر» !!!!
لكن إذا ما تركنا هذا المبرر أو ذاك، وما بدا مطالب استفزازية لأنصار الشيخ حازم، وكذا الردود المتشنجة، وأمسكنا ببعض تصريحات الجماعة التي ترى في «الشاطر» الشخصية «الأنسب» لمصر في هذه المرحلة؛ فما الذي يجعله كذلك؟
لا شيء إلا الجواب الذي جاء على لسان المرشد، وبعض مسؤولي حزب النور السلفي. إذ يرى المرشد بالذات أن مصر لا تحتمل أطروحة يمكن أن تضع مصر تحت التهديد بالحصار والمقاطعة. كما حصل لقطاع غزة بعد فوز حركة «حماس» في انتخابات المجلس التشريعي سنة 2006. مع العلم أن «حماس» لم تدخل العملية السياسية تحت سقف اتفاقيات «أوسلو» قبل استشارة الجماعة الأم، فضلا عن أنها حظيت بتبريرات لم تنقطع من مثل «حماية الحركة الإسلامية من التصفية» !!!!
إذن؛ شخصية الشيخ حازم، بما تحمله من أطروحة تسعى إلى تطبيق الشريعة تعد خروجا عن «المركز» ، ومن شأن هذه الوضعية أن تسبب إزعاجا للجماعة التي وصلت إلى السلطة بشق الأنفس، وبعد ثورة شعبية لم يكن لها شأن مباشر في صناعتها. وتبعا لذلك فإن ترشيح «الشاطر» يمكن تفسيره ببساطة على أنه خطوة اعتراضية لمشروع الشيخ حازم، ومن ورائه المشروع الإسلامي.
أما الذي لا شك، فهو أن ترشيح «الشاطر» ليس سوى خطوة تحظى برضى جميع القوى الضارية في مصر، وفي مقدمتها المجلس العسكري، فضلا عن أنها تطمئن «المركز» الذي فزع من شعبية أبو صلاح، وصار بعد ترشيح «الشاطر» بحاجة إلى إيضاحات من جماعة سبق والتزمت بعدم التقدم لانتخابات الرئاسة، وكررت التزاماتها عبر عشرات التصريحات المرئية والمسموعة والمكتوبة، وفي كل محافل الخطاب السياسي والإعلامي والحزبي. وتبعا لذلك فهي الآن مدعوة لتجديد التزاماتها. لكن لمن؟