الأشد إثارة هو أن تتعرض الجماعة لمساءلات واختبارات من «المركز» وليس من الشارع ومكوناته .. تماما كتلك التي تعرض لها «الإخوان» في اليمن وتونس والمغرب وأخيرا سوريا. فقد قدم كل هؤلاء كشف حساب للولايات المتحدة تسبب بكوارث شرعية وحقوقية وسيادية وحتى مصيرية. وكنا قد أشرنا لهذا الأمر في مقالتنا السابقة «اللحظة الفارقة» ، ولا بأس من إعادة التذكير بها.
فقد تحالف الشق السياسي لـ «الإخوان» في اليمن مع أحزاب «اللقاء المشترك» ، ووضعوا البلاد والعباد تحت الوصاية الأمريكية التي باتت تتحكم حتى في تشكيلات الجيش اليمني وقياداته، ورفضت إعادة هيكلته إلا بما يبقي قادة الفرق التي تتلقى المساعدات الأمريكية لمحاربة «القاعدة» على رأس عملها، وهم أبناء الرئيس المخلوع وأبناء إخوته.
كما تسبب كشف الحساب هذا في ثناء الولايات المتحدة على ما أسمي جزافا بالإصلاحات الدستورية الخاوية من أي محتوى في المغرب، مع الاحتفاظ بالتحالفات الأمنية والدعوة إلى تعزيزها كما صرح سعد الدين العثماني وزير الشؤون المغربية.
وتسببت الاستجوابات التي تعرض لها قادة حركة «النهضة» في تونس بإقصاء الشريعة من الدستور التونسي، والاحتجاج بذات الحجج التي قدمتها القوى اللبرالية واليسارية والمتصهينة في تونس، بخصوص إدراج مادة تحظر التطبيع مع «إسرائيل» قبل قيام الدولة الفلسطينية، في ديباجة «العقد الجمهوري» ، علما أن حركة «النهضة» كانت من ضمن القوى التي انسحبت من «هيئة تحقيق أهداف الثورة» التي كان يرأسها عياض بن عاشور.
أما في سوريا فقد سبق لوزيرة الخارجية الأمريكية أن اجتمعت بوفد ضم لبراليين و «إخوان» في واشنطن. وخرجت هيلاري كلينتون لتقول «ثمة ما يمكن الاستماع إليه» !!! وكانت المحصلة أن تقدمت جماعة «الإخوان» بوثيقة «العهدة الوطنية» التي خلت من أي ذكر للشريعة أو العروبة، فيما وضعت الكفاءة معيار الوصول إلى المناصب، حتى لو كان منصب رئيس الجمهورية. ويا سعد السوريين لو وصل إلى الرئاسة أحد اليزيديين أو عُبّاد الفروج أو العلويين أو الملاحدة والكفرة. فهل سيثورون ثانية؟
أما الآن فقد جاء دور «إخوان» مصر الذين أرسلوا، بعد يومين من ترشيح «الشاطر» ، وفدا من حزب «الحرية والعدالة» إلى الولايات المتحدة. ومن الطريف أن أول اجتماع للوفد كان مع مجلس الأمن القومي الأمريكي، وكأنهم مشبوهون حتى تثبت براءتهم. بل أنهم اجتمعوا مع «مسؤولين من المستوى المنخفض» في المجلس قبل أن يلتقوا مسؤولين مماثلين بوزارة الخارجية. وبعدها تعرضوا لذات المساءلات التي تعرض لها سابقوهم من «الإخوان» . وإذا كان «الشاطر» قد أعلن أن «الشريعة هي مشروعه الأول والأخير» فإن أول تعهدات الوفد الزائر، في الجولة الجارية حتى الآن، جاءت لتقول: «إن الحزب ملتزم بأهداف الشريعة وليس بتطبيق أمور بعينها» ، وفي أعقاب منتدى عقد بجامعة جورج تاون في واشنطن قال عضو الوفد، عبد الموجود الدريدي،: «إن حزب الحرية والعدالة نهجه وسطي، ولديه ناموس يجب أن يحترم، وهذه هي النقطة التي يبدأ منها، لكنه لا يستطيع أن يتجاهل الحضارة الإنسانية» ، أما زميلته سندس عاصم فقالت: «نحن هنا لنبدأ مد جسور التفاهم مع الولايات المتحدة» ، وشددت على أن «الإخوان» : «يدركون الدور الشديد الأهمية الذي تلعبه الولايات المتحدة في العالم، وأنهم: «يودون أن تتحسن علاقاتهم مع الولايات المتحدة» ، و: «بأكثر مما كانت عليه قبل ذلك» !!!
لسنا ندري ما الذي قصدته عضوة الوفد برغبة الحزب تحسين علاقات مع أمريكا: «بأكثر مما كانت عليه قبل ذلك» ، لكننا ندري أن توم فيتور، المتحدث باسم مجلس الأمن القومي، أوضح بأن: «الولايات المتحدة تعتبر أن من مصلحتها أن تكون على اتصال مع جميع الأحزاب التي تعهدت باحترام المبادئ الديمقراطية، ومن بينها اللاعنف» ، وبعبارة أكثر صراحة يقول: «نشدد في كل حواراتنا مع هذه المجموعات على (1) أهمية احترام حقوق الأقليات و (2) مشاركة النساء وننقل (3) قلقنا حول الأمن الإقليمي» .