فهرس الكتاب

الصفحة 26 من 81

وقد كنت بالفعل أشعر بحب عميق لكليهما. كنت في غاية الخجل والحرج وأنا أحدد موعدا جديدا لأداء بيعة بالنيابة. كان الملا عمر كريما وذكيا، فلم يسألنى عن أى شيئ وكنت أتوقع ان يطلب منى إيضاحا عن عدم حضور أبوعبدالله في الموعد المقرر بالأمس. ولماذا لم يحضر بنفسه اليوم؟ وماذا يمنعه عن ذلك؟.

لم يكن عندى أى إجابة تهدئ الخواطر، كما كان ثقيلا جدا على نفسى أن أذكر

الحقيقة الجارحة، ولم يكن واردا بأى حال أن أقول غيرها.

"الملا عمر"رجل لماح وغاية في الذكاء وكان يقرأ ما يدور في ذهنى بشكل دقيق

، فلم يشأ أن يحرجنى. أديت له البيعة بالنيابة عن"أبو عبدالله"وخرجت من عنده مسرعًا وكأننى أزحت صخرة ثقيلة من على صدرى، أو كأننى خشيت أن يتراجع الملا عمر عن موقفه ويرفض البيعة.

فى عام 2000 م تحسنت العلاقات نسبيا بين الرجلين. وقام أبوعبدالله بزيارة الملا عمر في مقره الجديد الذى إتخذه قريبا من أحد الجبال بناء على مشورة من العرب، بعد محاولة إغتياله في العام 1999 م ولكن على وجه العموم إستمر أبوعبد الله في نفس مسيرته القديمة وخالف التعليمات الأساسية لأمير المؤمنين والتى تتلخص في بندين رئيسين مع بعض الفرعيات الآخرى.

الأساسيات كانت التوقف عن اللقاءات الصحفية والتلفزيونية مع حظر أى ضربة عسكرية ضد الولايات المتحدة لأن باكستان هددت بالتدخل المباشر ضد الإمارة إذا حدث مثل ذلك الأمر. وهو ما لا يمكن إحتماله في ظروف الإمارة الحالية وإلى أن تتم السيطرة على المناطق الباقية تحت حكم التحالف الشمالى المعارض.

أما الضربات ضد إسرائيل فإن الإمارة تؤيدها ومستعدة لتحمل تبعاتها إلى جانب العرب (وكان ذلك الموقف في أثناء إنتفاضة المسجد الأقصى في آوخر عام 2000 م.

ولكن يبدو أن أبو عبدالله كان قد مضى بعيدا في الإعداد لضربة سبتمر 2001 والتى لم يكن أحد يدرى بها تفصيلا سوى ثلاث أفراد منهم أبوعبد الله نفسه. ثم عدد محدود لا يزيد عن إثنين أو ثلاثة يعلمون على وجه اليقين أن هناك ضربة عسكرية كبيرة ضد هدف أمريكى غير معلوم لديهم بالتحديد.

وخارج الدائرة الضيقة الأولى ثم الدائرة الضيقة الثانية، لم يكن أى أحد آخر يدرى بما يدور. وطبعا على رأس هؤلاء الذين"لايعلمون"كان الملا عمر الذى وقعت فوق رأسه كل التبعات المدمرة لما حدث، إذ سقطت أمارته مع سقوط المبانى التجارية في نيويورك.

وبالطبع كنت في صدارة"الذين لا يعلمون". ولوأننى علمت لما دفعت بكل تلك القوة لاتمام بيعة"أبوعبدالله"للملا عمر. لأنها كانت في الواقع عملية تضليل لأمير المؤمنين لصرف نظرة عن عمل خطير يحاك من وراء ظهره ويتعدى على صميم إختصاصاته كحاكم للبلاد. ويتعدى على مصير وحياة شعبه الذى كان على وشك التعرض لمجزرة أمريكية، وإحتلال أمريكى أوروبى أقسى وأشد من الإحتلال السوفيتى الذى لم يكد يرحل عن البلاد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت