قال الحافظ ابن حجر (1) : (( سقوط قرص الشمس يدخل به وقت المغرب، ولا يخفى أن محله ما إذا كان لا يحول بين رؤيتها غاربة وبين الرائي حائل ) ): أي من جبل أو عمران أو غيرهما، وهذا إنما يتم في الصحراء لا في العمران (2) .
وبهذا يتبين أن معرفة طلوع الفجر ومغيب الشمس يدركه الخواص ممن تمرسوا ذلك وتعلموه، كما أنه يحتاج إلى صحراء لا جبل ولا عمران فيها أو إلى بحر حتى يكون الأفق غير محجوب أمام الرائي، وهذا الأمر غير متيسر لعامة المسلمين؛ لذلك قامت الجهات المختصة بتكوين لجان من أهل الاختصاص في ضبط الأوقات وإخراج التقاويم (الروزنامات) في تحديد أوقات الصلاة والعبادة، وينبغي للمؤمنين الاعتماد عليها؛ لأنه الأسلم لهم في عدم حصول فوضى وإرباك لدى العوام في عبادتهم وتشكيكهم في أحكام دينهم والله أعلم وعلمه أقوم.
كما أن أمر التعجيل بالإفطار قبل الغروب يبطل الصوم، وينال فاعله الوعيد الشديد كما أخبر المصطفى - صلى الله عليه وسلم: (بينا أنا نائم إذ أتاني رجلان فأخذا بضبعي فأتيا بي جبلًا وعرًا فقالا لي: اصعد حتى إذا كنت في سواء الجبل، فإذا أنا بصوت شديد فقلت: ما هذه الأصوات قال: هذا عواء أهل النار، ثم انطلق بي فإذا بقوم معلقين بعراقيبهم مشققة أشداقهم تسيل أشداقهم دمًا فقلت: من هؤلاء فقيل: هؤلاء الذين يفطرون قبل تحلة صومهم) (3) ، قال الإمام المنذري (4) : (( معناه يفطرون قبل وقت الإفطار ) ).
المطلب الرابع: سبب وجوب الصوم:
يختلف سبب وجوب الصوم باختلاف الصوم:
أولًا: سبب وجوب صوم رمضان هو شهود جزء من الشهر (5)
(1) في فتح الباري 2: 42.
(2) ينظر: نيل الأوطار 2: 5-6، وغيره.
(3) في صحيح ابن حبان 16: 536، والمستدرك 1: 595، وسنن النسائي 2: 246، وغيرها.
(4) في الترغيب والترهيب 2: 22.
(5) هذا ما مشت عليه المتون كالوقاية ص242، والملتقى 1: 353، والتنوير 2: 82، والغرر 1: 211، وهو المختار كما في الخبازية
واختار فخر الإسلام وغيره أنه يجب عليه صوم رمضان إن أفاق في جزء يمكن إنشاء الصوم فيه من كلّ يوم، وهو ما كان من طلوع الفجر الصادق إلى قبيل الضحوة الكبرى، أما الليل والضحوة الكبرى وما بعدها فلا يمكن إنشاء الصوم فيها، والموجود في الليل مجرد النيّة لا إنشاء الصوم حتى لو أفاق المجنون في ليلة من أول الشهر أو وسطه ثم جنَّ قبل أن يصبحَ ومضى الشهر وهو مجنون أو أفاق فيما بعد الزوال من يومه من الجنون ثمّ استغرق بقيته لا قضاء عليه، أما لو أفاق بعد الزوال في وسط رمضان ولم يعقبه جنون، فإنه يجب قضاء ما مضى. وعليه الفتوى كما في المجتبى، والنهر عن الدراية، وصححه صاحب النهاية والظهيرية وقاضي خان والعناية ومشى عليه الاسبيجابي وحميد الدين الضرير من غير حكاية خلاف ومشى عليه في نور الإيضاح، ينظر: الدر المختار ورد المحتار 2: 81- 82، والشرنبلالية 1: 211، وغيرها.
قال ابن عابدين في رد المحتار 2: 82 بعد نقل الخلاف: والحاصل أنهما قولان مصححان، وأن المعتمد ما عليه ظاهر الرواية والمتون.