إن النبي - صلى الله عليه وسلم - عيَّن الطعام في زكاة الفطر لنُدْرَته بالأسواق في تلك الأيام، وشدة احتياج الفقراء إليه، فإن غالب المتصدّقين في عصر النبي - صلى الله عليه وسلم - ما كانوا يتصدّقون إلا بالطعام، فكان - صلى الله عليه وسلم - كلما حثّ الناس على الصدقة بمناسبة قدوم فقراء أو ضيوف بادروا إلى الإتيان بالطعام لمسجده - صلى الله عليه وسلم -، قال - جل جلاله: { وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا } (1) ، وقال - جل جلاله: { وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ } (2) ، ولم ينقل أنهم كانوا يتصدقون بالمال إلا على سبيل الندرة؛ لحاجة الفقراء إلى الطعام واللباس لا إلى المال، أما الآن فحاجة الفقراء إلى المال؛ لحصول الكفاية لهم به.
إنه - جل جلاله - قال: { لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ } (3) ، والمال هو المحبوب اليوم، فكثير من الناس يهون عليهم إطعام الطعام، وعمل الولائم، ويصعب عليه ثمن ذلك للفقراء، والحال في عصر النبي - صلى الله عليه وسلم - على خلاف ذلك؛ لذلك كان إخراج الطعام في عصرهم أفضل.
إن الزكاة وجبت على كل أحد من ماله الذي عنده، لا يكلف استحضار غيره، كما في الأحاديث السابقة، والذي عند الناس اليوم هو النقد، فالواجب عليهم الإخراج مما عندهم، ولا يكلفون استحضار الحب الذي ليس عندهم.
إن المنصوص عليه في صدقة الفطر هو بيان لقدر الواجب لا لعينه؛ إذ لو كان بيانًا لعين الواجب لما خالفه الصحابة والتابعون والأئمة والفقهاء، فذكروا من الأعيان ما لم يرد به نص من الشارع، وإذا ثبت ذلك جاز إخراج المال؛ علمًا أنه لا فارق بين زكاة الفطر وزكاة المال، فإما أن تجوز القيمة فيهما أو تمنع فيهما.
(1) الإنسان:8.
(2) الحاقة:34.
(3) آل عمران: من الآية92.