فهرس الكتاب

الصفحة 80 من 100

وقد بسط أبو محمد ابن حزم رحمه الله حجة هذا القول وانتصر له، ورد على حجج من ذهب إلى نسخ فعل النبي صلى الله عليه وسلم بأولئك المحاربين فقال:

(كل هذا لا حجة لهم فيه، ولا يجوز أن يقال في شيء من فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم وقوله إنه منسوخ إلا بيقين مقطوع على صحته، وأما بالظن الذي هو أكذب الحديث فلا.

فنقول وبالله تعالى التوفيق: أما الحديث الذي صدرنا به من طريق أبي قلابة عن أنس، فليس فيه دليل على نسخ أصلًا لا بنص ولا بمعنى وإنما فيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قطع أيدي العرنيين وأرجلهم ولم يحسمهم، وسمل أعينهم، وتركهم حتى ماتوا، فأنزل الله تعالى آية المحاربة، وهذا ظاهر أن نزول آية المحاربة ابتداء حكم، كسائر القرآن في نزوله شيئًا بعد شيء، أو تصويبًا لفعله عليه السلام بهم، لأن الآية موافقة لفعله عليه السلام في قطع أيديهم وأرجلهم، وزائدة على ذلك تخييرًا في القتل، أو الصلب، أو النفي وكان ما زاده رسول الله صلى الله عليه وسلم على القطع من السمل، وتركهم لم يحسمهم حتى ماتوا قصاصًا بما فعلوا بالرعاء، كما نا عبد الله بن ربيع نا محمد بن معاوية نا أحمد بن شعيب أنا الفضل بن سهل الأعرج - مرزوقي ثقة - نا يحيى بن غيلان - ثقة مأمون - نا يزيد بن زريع عن سليمان التيمي عن أنس بن مالك، قال: (إنما سمل رسول الله صلى الله عليه وسلم أعين أولئك العرنيين لأنهم سملوا أعين الرعاء) .

وقد ذكر في الحديث الذي أوردنا أنهم قتلوا الرعاء، فصح ما قلناه من أن أولئك العرنيين اجتمعت عليهم حقوق: منها المحاربة، ومنها سملهم أعين الرعاء، وقتلهم إياهم، ومنها الردة، فوجب عليهم إقامة كل ذلك، إذ ليس شيء من هذه الحدود أوجب بالإقامة عليهم من سائرها، ومن أسقط بعضها لبعض فقد أخطأ، وحكم بالباطل، وقال بلا برهان، وخالف فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم وترك أمر الله تعالى بالقصاص في العدوان بما أمره به في المحاربة، فقطعهم رسول الله صلى الله عليه وسلم للمحاربة، وسملهم للقصاص، وتركهم كذلك حتى ماتوا، يستسقون فلا يسقون حتى ماتوا، لأنهم كذلك قتلوا هم الرعاء، فارتفع الإشكال والحمد لله كثيرا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت