فهرس الكتاب

الصفحة 81 من 100

وأما حديث أبي الزناد فمرسل، ولا حجة في مرسل [1] ، ولفظه منكر جدًا، لأن فيه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عاتبه ربه في آية المحاربة، وما يُسمع فيها عتاب أصلًا، لأن لفظ العتاب إنما هو مثل قوله تعالى: {عفا الله عنك لم أذنت لهم} ، ومثل قوله تعالى: {عبس وتولى * أن جاءه الأعمى} .. الآيات. ومثل قوله تعالى: {لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم} ، وأما حديث المحاربة، فليس فيها أثر للمعاتبة.

وأما حديث قتادة عن أنس في الحث على الصدقة والنهي عن المثلة فحق، وليس هذا مما نحن فيه في وِرْدٍ ولا صدر، وإنما يحتج بمثل هذا من يستسهل الكذب على رسول الله [2] صلى الله عليه وسلم أنه مثّل بالعرنيين، وحاش لله من هذا ... [3] .

وقال ابن القيم رحمه الله في الهدي إثر ذكره لقصة العرنيين:

(وفيها من الفقه ... والجمعُ للمحارب إذا أخذ المال وقتل بين قطع يده ورجله وقتله، وأنه يفعل بالجاني كما فعل، فإنهم لما سملوا عين الراعي سمل أعينهم، وقد ظهر بهذا أن القصة محكمة، ليست منسوخة، وإن كانت قبل أن تنزل الحدود، والحدود نزلت بتقريرها لا بإبطالها. والله أعلم [4] .

وقال الأمين الشنقيطي رحمه الله:

(استشكل بعض العلماء تمثيله صلى الله عليه وسلم بالعرنيين، لأنه سمل أعينهم مع قطع الأيدي والأرجل، مع أن المرتد يقتل ولا يمثل به.

واختلف في الجواب، فقيل فيه ما حكاه الطبري عن بعض أهل العلم: أن هذه الآية نسخت فعل النبي صلى الله عليه وسلم بهم، وقال محمد بن سيرين: كان ذلك قبل نزول

(1) قد بينت في ردي على الحميدي أقوال أهل العلم في الاحتجاج بالمراسيل، وما هو الراجح من ذلك، فانظر ذلك في المبحث الثاني، في الكلام على قول علي بن أبي طالب رضي الله عنه: (بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بأربعة أسياف ... ) .

(2) قلت: غفر الله لابن حزم، فليس من يَرُدُّ عليهم ممن يستسهل الكذب على رسول الله صلى الله عليه وحاشاهم، وهذه شدة معروفة في بعض كلام ابن حزم، وليس يرتضيها أهل العلم!

(3) المحلى (12/ 286 - 287) .

(4) زاد المعاد (3/ 255) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت