الحدود، وقال أبو الزناد: إن هذه الآية معاتبة له صلى الله عليه وسلم على ما فعل بهم، وبعد العتاب على ذلك لم يعد، قاله أبو داود.
والتحقيق في الجواب هو أنه صلى الله عليه وسلم فعل بهم ذلك قصاصًا، وقد ثبت في صحيح مسلم وغيره أنه صلى الله عليه وسلم إنما سمل أعينهم قصاصًا لأنهم سملوا أعين رعاة اللقاح، وعقده البدوي الشنقيطي في مغازيه بقوله:
وبعدها انتهبها الأُلى انتهوا *** لغاية الجَهْدِ وطيبةَ اجتووا
فخرجوا فشربوا ألبانها *** ونبذوا إذ سمنوا أمانها
فاقتص منهم النبيْ أن مثلوا *** بعبده ومقلتيه سملوا
واعترض على الناظم شارح النظم حماد لفظة (بعبده) ، لأن الثابت أنهم مثلوا بالرعاء [1] ، والعلم عند الله تعالى [2] .
وجه الدلالة من الحديث على مسألتنا:
ووجه الدلالة أن النبي صلى الله عليه وسلم مثّل بالعرنيين لما مثلوا بالراعي مع كونه نهى عن المثلة، وأمر بالإحسان في القِتلة [3] ، فدل على إباحة المثلة قصاصًا، وإن كانت محرمة أساسًا.
(1) قال الحافظ في الفتح (1/ 339) : (قوله(فجاء الخبر) في رواية وهيب عن أيوب الصريخ بالخاء المعجمة، وهو فعيل بمعنى فاعل، أي: صرخ بالإعلام بما وقع منهم، وهذا الصارخ أحد الراعيين، كما ثبت في صحيح أبي عوانة من رواية معاوية بن قرة عن أنس، وقد أخرج مسلم إسناده ولفظه: (فقتلوا أحد الراعيين وجاء الآخر قد جزع فقال قد قتلوا صاحبي وذهبوا بالإبل) ، واسم راعي النبي صلى الله عليه وسلم المقتول يسار بياء تحتانية ثم مهملة خفيفة، كذا ذكره ابن إسحاق في المغازي، ورواه الطبراني موصولًا من حديث سلمة بن الأكوع بإسناد صالح، قال: (كان للنبي صلى الله عليه وسلم غلام يقال له يسار) زاد بن إسحاق (أصابه في غزوة بني ثعلبة) قال سلمة: (فرآه يحسن الصلاة فأعتقه وبعثه في لقاح له بالحرة فكان بها) فذكر قصة العرنيين وأنهم قتلوه، ولم أقف على تسمية الراعي الآتي بالخبر، والظاهر أنه راعي إبل الصدقة، ولم تختلف روايات البخاري في أن المقتول راعي النبي صلى الله عليه وسلم، وفي ذكره بالإفراد وكذا لمسلم، لكن عنده من رواية عبد العزيز بن صهيب عن أنس: (ثم مالوا على الرعاة فقتلوهم) بصيغة الجمع، ونحوه لابن حبان من رواية يحيى بن سعيد عن أنس، فيحتمل أن إبل الصدقة كان لها رعاة فقتل بعضهم مع راعي اللقاح، فاقتصر بعض الرواة على راعي النبي صلى الله عليه وسلم، وذكر بعضهم معه غيره، ويحتمل أن يكون بعض الرواة ذكره بالمعنى فتجوز في الإتيان بصيغة الجمع، وهذا أرجح، لأن أصحاب المغازي لم يذكر أحد منهم أنهم قتلوا غير يسار والله أعلم).
(2) أضواء البيان (1/ 401 - 402) .
(3) عن شداد بن أوس رضي الله عنه قال: ثِنْتَانِ حَفِظْتُهُمَا عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: (إِنَّ اللهَ كَتَبَ الْإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ، وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذَّبْحَ، وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ، فَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ) [صحيح مسلم (57 - 1955) ] .